متابعات

عامان على كورونا.. جائحة مؤامرات وحملات تضليل لن ننجو منها أبدًا

لو عاد بنا الزمن عامان إلى الوراء، لم يكن حتى أكثر الناس اعتقادًا بسيناريوهات نهاية العالم ليتوقع ما سيؤول إليه الكوكب اليوم. كأنها القيامة حلّت لتقضي على الجميع عبر الموت البطيء، على شكل ڤيروس صغير يعزل العالم بأجمعه، ويغيّر شكل حياتنا بشكلٍ قد لا نستعيده أبدًا.

عامان على فيروس كورونا، الذي بدأ الكوكب رحلته معه في اليوم الأخير من العام ٢٠١٩، وهو آخر عام “طبيعي” قد نشهده، عندما اكتُشف في الصين مرض غريب يصيب الجهاز التنفسي لدى الإنسان. بعده بأيام قليلة وتحديداً في التاسع من كانون الثاني ٢٠٢٠، أعلنت السلطات الصينية ومنظمة الصحة العالمية، أن هذا المرض ناجم عن سلسلة جديدة من ڤيروس “كورونا” التاجي، لتصبح هذه الكلمة الأشهر سمعاً والأكثر استخداماً في حياتنا.

في اليوم الحادي عشر من الشهر نفسه، تمكّن الفيروس من ضحيته الأولى، لتكر السبحة ويقبض على أرواح أكثر من خمسة ملايين ونصف المليون من السكان في العالم، ويترك عشرات الملايين من الذين نجوا منه أحياء، لكنه ترك فيهم آثارا قد لا يتخطونها.

جائحة المؤامرات

أحد أبرز تحديات جائحة كورونا لم يكن الحجر أو التقيد بالإرشادات الصحية والوقائية، بل كان في كمية نظريات المؤامرة التي ارتبطت بها منذ بدايتها وحتى الآن. هذه النظريات التي لا تترابط ولا تتسلسل بالمنطق، بل تتعارض في العديد من الأحيان، حازت إهتمام ملايين الأشخاص عبر العالم، وأدت إلى تظاهرات عدة ضد ارتداء الأقنعة أو الحجر.

أولى النظريات بشأن كورونا كانت حول منشئه، إذ تصدر ذلك الرواية المؤامراتية التي تتحدث عن أنه تسريب متعمد لنشر مرض يحد النسل في العالم. والغرابة في هذه الرواية أن معدل الوفيات جراء كورونا لم يستجب لتلك النظرية، إذ أن خمسة ملايين حالة وفاة خلال سنتين، وبالرغم من أنه رقم محزن، إلا أنه يُعتبر رقمًا متدنيًا نسبة للانفلونزا الاسبانية التي حصدت ما بين ٢٠ و٤٠ مليون شخصاً في ظرف سنتين، أو الطاعون الذي حصد ٢٥ مليونًا في المدة نفسها أو مرض الإيدز الذي قضى على ٢١ مليونًا منذ العام ٢٠٠٠، أو حتى أمراض القلب التي حصدت ثمانية ملايين شخص في ٢٠١٩ فقط.

في المقابل، يتحدث المؤامراتيون عن أن الكورونا هو مجرد إنفلونزا، ويتحججون بتدني معدل الوفيات إلى ٣%، ثم يسارعون لاعتبارها بالونًا اعلاميًا لإثارة الهلع في نفوس الناس. لكن طبعًا ولسخرية القدر فإن العديد مما أنكروا وجود الكورونا وخطورتها، قضوا لاحقًا بسبب إصابتهم بها، ليكون درسًا حزينًا وقاسيًا من “الكارما”، أو عدالة الأرض.

مؤامرة الحرب الاقتصادية

ترافقت هذه النظرية مع نظرية أخرى هي الحرب الاقتصادية، أي فكرة أن الصين افتعلت الفيروس لتسيطر على اقتصاد العالم، أو الولايات المتحدة افتعلت الفيروس للقضاء على الصين. لكن في المقابل، فإن كل الدول عانت ولا تزال من أزمات اقتصادية وتراجع اقتصادها والاقتصاد العالمي معًا بسبب الإغلاق المتكرر جرّاء الجائحة. من هنا نطرح السؤال بشكل مبسط، وهو لماذا قد تفتعل دولة ما هكذا جائحة؟ وبالرغم من أن الحروب البيولوجية هي حقيقة وتحصل بالفعل، إلا أن العلماء لا يستطيعون ابتكار سلالات جينية جديدة، وهو ما وُجد في كورونا، لذا من الصعب التأكيد أن هذا الفيروس قد جرى تصنيعه داخل مختبر.

إضافة لذلك فإن تصنيع ڤيروس يصيب الجهاز التنفسي، سريع التحور والانتشار بالهواء ككورونا، هو مسألة بالغة الخطورة وغير محسوبة ولا يمكن السيطرة عليها. خصوصاً وأن الأدوية المضادة للڤيروسات ليست بفعالية أدوية المضادات الحيوية التي تعالج الأمراض البكتيرية، وإلا كان العلماء صنعوا أدوية حاسمة للزكام ونزلات البرد والأنفلونزا منذ عقود، وهو ما لم يتم حتى الآن بسبب تعقيد طبيعة الفيروسات وتكاثر تحوراتها العديدة.

مؤامرة “البيغ فارما”

بالتوازي نشطت نظرية أخرى سوّقت لمؤامرة أن الكورونا اختراع شركات الأدوية أو “البيغ فارما”، وذلك لكي تبيع منتجاتها. والغريب أيضًا أنه بعد سنتين على الكورونا، لم تستطع هذه الشركات إيجاد علاج فعّال، ولا التوصل نهائيًا إلى دواء جديد.

وبالرغم من أن العديد من الأدوية التي استعملت كعلاج لكورونا كالازيثرومايسين والهايدروكسي كلوروكين والايفرماكتين وغيرها من الأدوية التي ذاع صيتها، إلا أن منظمة الصحة العالمية عادت وأعلنت بعدم فعاليتها بعد التجربة. والنتيجة المنطقية هي أن هذه الشركات لو كانت فعلاً تسعى للبيع، لكانت سوقت لعلاج منذ انتشار الڤيروس.

مؤامرة بيل غيتس

من النظريات المؤامراتية التي انتشرت ولاقت رواجاً تلك المتعلقة بعملاق مايكروسوفت الميلياردير بيل غيتس، ومفادها أنه هو من يقف وراء الفايروس لأنه تحدث قبل سنوات عدة من إن “العالم ليس جاهزًا لتفشي الوباء المقبل الذي سيقتل ١٠ ملايين شخص”. حديث غيتس هو أيضًا من ضمن المغالطات، إذ ما قاله الرجل يعود للعام ٢٠١٤، حينها شهدت إفريقيا في شهر كانون الأول ٢٠١٣، موجة إيبولا كان التعامل معها أقل بكثير من المفترض، بسبب عدم وضع بنية أولية للتحضير للجوائح الجديدة. هذا ما استند عليه غيتس ليقول إننا غير جاهزين لجائحة جديدة، وليس قدرته على استشراف المستقبل، أو خطته السرية للتحكم به.

مؤامرات اللقاح

المؤامرات بشأن اللقاح لم تكن أقل فظاعة من تلك المتعلقة بأصل منشأ الڤيروس. والبداية كانت مع بيل غيتس نفسه فجميعنا سمع حكاية “الشريحة التي وضعها بيل غيتس ليتحكم بأفعالنا ويعرف أين نحن وماذا نفعل ونفكر”. المفارقة أن الذين يروجون لتلك النظرية يدركون أشد الإدراك أن ما يتهمون بيل غيتس ومارك زوكربيرغ وغيرهم به، من أنهم يسعون لتلك الشريحة، يدركون لا بل يعطون بسخاء كل المعلومات التي يريدها أولئك بكل سرور ودون لقاح، وذلك من خلال هواتفنا الذكية، بل أننا ندفع لهم مقابل ذلك لكي يقوموا بتلك المهمة.

“الانتي فاكسرز” في بيروت

لم تقف المؤامرات عند حدود النظريات والترويج لها، بل تعدتها إلى تنظيم وقفة احتجاجية كانت محطتها في ساحة الشهداء في بيروت، رفضاً لإجبارية التلقيح أو “الأنتي فاكسينغ”، وذلك في اليوم نفسه الذي سجل ٨٠٠٠ حالة كورونا وهو رقم قياسي في لبنان. حجة المحتجين وهي ظاهرة عالمية أنهم “لا يريدون وضع شيء غريب في جسمهم”، أو “لا يعرفون ماذا يوجد في اللقاح”، أو “لا يريدون أن يكونوا حقل تجارب”.

المغالطات في هذه الحجج كبيرة جداً وفاضحة. والسؤال الذي يُوجّه لهؤلاء، هل سألتم عن مكونات لقاح شلل الاطفال؟، أو عن حبة البنادول التي يتناولها اللبنانييون يوميًا!، أو حتى حبوب الأعصاب التي أصبح الجميع يصفها دون السؤال أو الرجوع لطبيب!.

يتحدثون أيضاً عن أنهم يعرفون أشخاصاً ملقحين أُصيبوا بالڤيروس. والجواب هنا أننا جميعًا يعرف أطفالاً أصيبوا بمرض الجدري مع أن الجميع يتلقح ضده في طفولته، لكن لا أحدًا ولحسن الحظ يشكك بلقاح الجدري وفعاليته، إذ أنهم يعرفون أنه وجد ليخفف الإصابة والعدوى وليس لينهي المرض.

الحجة الأخيرة هي “سرعة تطوير اللقاح”، دون أدنى خلفية عن تقنيات اللقاح التي استمرت أعوامًا في البحث، أو عن أسباب تأخر اللقاحات عادة والتي يكون معظمها نقص في التمويل والبيروقراطية وقلة المتطوعين، والتي تم معالجتها مع كورونا بسرعة كبيرة بسبب العجلة. والمفارقة أن هؤلاء الأشخاص أنفسهم، يشربون شاي التنحيف أو شوكولا زيادة العضلات، أو غيرها من الترهات غير العلمية دون أي بحث. وهم أنفسهم سارعو لشراء الايفرمكتين من الصيدليات، وهو دواء قليل الاستعمال، أيضًا دون بحث مسبق.

جوائح العصر

وبالرغم من أن التظاهرة هي بحد ذاتها مادة للسخرية، إلا أن الذي حصل هو شيء في غاية الخطورة. فعدم تلقي اللقاح يترك مجالاً للفيروس كي يستشري أكثر، فيصبح أكثر خطورة ويستمر معنا أكثر، ليعود هؤلاء ويقولوا أن لا فائدة من اللقاح. هي سلسلة من الأكاذيب تنعدم فيها المسؤولية، تنشرها منصات إعلامية لديها هدف واحد وهو الاستفادة من الـ click baits أو العناوين الكاذبة  لجذب القراء، والبرامج التي تعطي الهواء للمغفلين ذوي الحجج الواهية في مقابل العلماء والاطباء المختصين. هو خوف من الجديد لكنه انتصار للخرافة على العلم، وكأننا عدنا في سنة ٢٠٢٢ لنناقش كروية الأرض أو سطحيتها.

كورونا ليست فقط جائحة صحية، إنما أخلاقية إقتصادية وإنسانية أيضًا، هي أزمة عابرة للقارات، هي حرب حقيقية إما أن يربحها العالم معًا، أو يخسرها معًا. هي درس عن التفاوت في العدالة الاجتماعية العابرة للبلاد، فمهما امتلكت الدول الغنية من لقاحات، لن تستطيع اجتياز الأزمة من دون توزيعها على الدول التي لا تملك المال، لأن المتحورات ستستمر بالظهور، ولن تطال الفقراء فحسب، إنما ستبقى تهدد الأغنياء طوال الوقت، حتى نجتاز الأزمة سويًا أو نخسرها بسبب جائحة الجشع، أو جائحة الجهل والغباء والمعلومات المضللة والأخبار الكاذبة.

الأشخاص الذين يرفضون تلقي اللقاح هذا حقهم، فالموضوع يتعلّق بأجسادهم وبحريتهم بالتصرف بتلك الأجساد، لكن عندما يعرّضون الآخرين للخطر جرّاء إصابتهم بالڤيروس ونقلها لغيرهم، لا تعود تلك المسألة شخصية وتتخطى مفهوم الحرية حين يعرضون الناس للخطر بسبب قناعات ميتافيزيقية لا تستند إلى أي دليل علمي. يتذرعون بالحريات وخرافات العلاج بالتراب أو الأعشاب، ليتسببوا بموت الكثير ممن نحب بسبب انهيار القطاع الصحي وفقدان القدرة على محاربة الجائحة.

لعل أبرز جوائح القرن، هي ليست الكورونا بل التضليل المتعمد، والتي قد تكون جائحة لن ننجو منها أبدًا. لكن ماذا الآن؟ هل سننجو؟ هل سنعود إلى ماضٍ كنا لا نخاف فيه بعضنا؟ أم سنبقى نقفز من متحور إلى آخر حتى تفقد حياتنا كل معنى لها؟ هل من ضوء في آخر النفق أم أننا فعلاً أضعنا الطريق؟ وهل هذه طريقة الطبيعة للانتقام منا بسبب كل ما فعلناه بها من تلوث واستغلال لمواردها؟ ربما قد لا نعلم أبداً.

الصورة: سبوتنيك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى