مواسم

عندما يتحدث باسيل باسم روسيا

حسين حمية

يجدر التوقف عند دعوة وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل التي أطلقها في المؤتمر الصحافي المشترك مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف والتي تنص على “إعادة التفكير في خلق مساحة مشتركة توفر الأمن والاستقرار الإقليميين والدوليين وتكافح الإرهاب والآحادية وتعمم التسامح وقبول الآخر، والتركيز على ازدهار اقتصادي وتنمية مستدامة عبر سوق مشرقية مشتركة بالتعاون مع شريط استراتيجي هو روسيا بدون إغفال الدول الأخرى”.

الفكرة كبيرة جدا، ولو أنها لم تصدر عن مسؤول دولي كبير، فمثل هذا الكلام لا يجري على ألسنة مسؤولي دول صغيرة تستمد بقاءها من ضمانات الآخرين وعيشها من معونات الغير، ومع هذا ما قاله باسيل ينطوي على أهمية كبرى وسيؤخذ على محمل الجد، ولا يمكن الاستخفاف به بربطه بمناكفات تشكيل الحكومة أو بعناوين مطّاطة لا تثبت على تعريف من طراز مبدأ النأي بالنفس، فقد قال ما قال وإلى جانبه لافروف،  أي بحضرة وزير خارجية دول كبرى، تضطلع بتكليف أممي بأدوار كبيرة في المنطقة وتأخذ على عاتقها إيجاد تسوية لأعقد صراعاتها التي تدور في سوريا، متسلحة بقدراتها العسكرية وعلاقاتها الديبوماسية الواسعة مع جميع الأطراف واللاعبين على مسرح هذه المنطقة.

كلام باسيل المذكور، يرسم اتجاهات التطورات المقبلة ولا يكشف عن مخططات قادمة، وهو يتجاوز بأشواط الخلافات اللبنانية التي تدور حول الأحجام والحصص في الحكومة المقبلة، ومن السذاجة قياسه باستخدام مسطرة النأي بالنفس وغيرها من هذه الترهات، فبعد إعلان واشنطن عن استراتيجيتها لمكافحة النفوذ الإيراني وفق المطالب ال12 التي أعلنها في ايار الماضي وزير خارجية أميركا مايك بومبيو، انتهى تحييد لبنان عن أزمات المنطقة وبالأخص الأزمة السورية، وبهذا سقطت مفاعيل التسوية الرئاسية إن بنسختها الأولى أو بتلك المتجددة بعد التي أعقبت استقالة الرئيس سعد الحريري في الرياض وعودته إلى لبنان.

قد يكون باسيل من بين المسؤولين اللبنانيين الأكثر التقاطا بحكم موقعه (وزير خارجية) للمتغيرات الإقليمية القادمة على المنطقة، فهو يعرف ما هو موكول لروسيا في هذه المنطقة، ولم تكن نزوة ارتجالية رفع أنصاره صور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عقب انتخاب عمه ميشال عون رئيسا للجمهورية، وكان ذا معنى، تعامله بغطرسة مع المسؤولين الأوروبيين في ملف عودة النازحين السوريين قبل المبادرة الروسية الأخيرة، وكان هناك شكوى فرنسية من تعاطيه الفج معهم بهذه القضية، وكذلك إجباره وزير الأميركي الأسبق ريكس تيلرسون على انتظاره لأكثر من تلت ساعة في قصر بعبدا في سابقة يتحاشى زعماء دول كبار على افتعالها، ويدخل في هذا السياق تهديده لموظفي مفوضية اللاجئين ومعاقبتهم بمنع دخولهم إلى لبنان ما لم يمتنعوا عن نصح النازحين بالعودة إلى بلادهم.

كان هناك انسجام تام بين مواقف باسيل وحاجات الديبلوماسية الروسية، ولو اقتضى منه نفي اي خلاف ايديولوجي مع إسرائيل، لكن ما يجب التأكيد عليه، ولو أن باسيل كا يشرب حليب السباع الروسي، إلا أنه كان يتصرف من ضمن الهوامش التي تتيحها التسوية الرئاسية وليس انقلابا عليها، فالكل يعلم أو كان يتوقع، إن ما بعد الانتخابات النيابية ومع اكتمال سيطرة الدولة السورية على أراضيها، سيدخل لبنان مرحلة جديدة، لا يعود فيه أي معنى لتحييده عن الازمات المجاورة، ولا مصلحة أيضا لأحد في تحييده سواء السعودية أو إيران.

لا يعني مساومة الأميركيين للإيرانيين على نفوذهم في المنطقة، نهاية مبدأ النأي بالنفس فقط، إنما يعني أيضا الذهاب دوليا إلى هيكلة جديدة للمنطقة يتم من خلالها إعادة توزيع النفوذ بين المكونات الدولية والإقليمية والمحلية، ولن تكون هذه الهيكلة العتيدة بالحدود، فحدود دول سايكس بيكو ستبقى على حالها، وهذا هو المعنى الحقيقي لتصفية داعش، وعلى هذا كان التعاون الروسي الأميركي في تصفية المنظمات الإرهابية التي تمزق حدود دول المنطقة، لكن الهيكلة ستتم عن طريق آخر، وهو إعادة النظر بالدساتير، واللعبة بدأت من إسرائيل بإقرار يهودية الدولة.

تتداخل زمنيا التصورات المقبلة للمنطقة مع شد الحبال الأميركي الروسي على إعادة إعمار سوريا، ومن الصعب في لبنان فرز خلفيات مواقف السياسيين من تشكيل الحكومة أو من  تفعيل العلاقات مع سوريا التي يختلط فيها البحث عن فرصة استثمارية في سوريا مع مواقف مبدئية مما يحدث في هذا البلد، علما أن الأزمة السورية عمليا انتهت وهي في مراحلها الأخيرة، ووجهة تطوراتها لن تعدلها مواقف اللبنانيين مهما كانت، فبمجرد أن ينفخت الدف “الثورة السورية” في إدلب سيتفرق العشاق كل إلى بلده.

لا شيء يضاعف من تشويش الرؤية عما ينتظر المنطقة إلا تلك الخرافة التافهة التي يتحدث بها البعض عن حلف الأقليات، فالهيكلة الجديدة، ستترك آثارها على مفهومي الأقلية والأكثرية، ويجدر التمعن عند قضايا يتعمد الإعلام عن قصد تضخيمها ويقحمها دائرة الفعل، من الإجازة للمرأة بقيادة السيارة، والسماح بأماكن لاختلاط الجنسين، والدعوات إلى تمزيق البرقع، ومساواة المرأة بالرجل بالإرث، وهذه التغطية الإعلامية الهائلة لخلع ممثلة مصرية حجابها وغيرها من المسائل التفصيلية الضئيلة التي لن تلبث مجتمعة أن تتحول إلى حوكمة للثقافات تسند بها سياسات ومصالح هي قيد البناء.

لم يحدد باسيل ما هي المشرقية التي أضافها لتلك المساحة التي يجري السعي لخلقها، وقد تطول عملية الخلق هذه لكي تكتمل، لكن البداية قريبة جدا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى