رصد-قديم

فضيحة القرصنة الأميركية ل”أموال صدام”..تواطؤ المصارف وإخفاء الحقائق

مناطق نت

منذ ايام قليلة الكل سمع عن “عملية أمنية لبنانية عراقية لحماية القطاع المصرفي اللبناني من مخططات مافيوزية لتشويه سمعته وابتزازه”…مع هذا الكلام الكبير عن بطولات إنقاذية كادت تضرب لبنان في أكثر الأمكنة حساسية، لكن لم يكن هناك أية تفاصيل أو شرح لتلك المخططات المافيوزية، لنبني على البطولة مقتضاها. لم يكن هذا الإيجاز تواضعا أو مخافة امتداح الذات أو “إعمل منيح وكب بالبحر”، فهناك ما لا يمكن قوله، لكن افتتاحية صحيفة “رأي اليوم” كشفت المستور عن فحوى هذه العملية الأمنية اللبنانية العراقية لحماية سمعة القطاع المصرفي اللبناني، وإذ المسألة برمتها ليست سوى عملية قرصنة أميركية لأموال عراقية بتواطؤ مصارف لبنانية، لكن من دون توضيح ثمن هذا التواطؤ أو حجم هذه الأموال والوجهة التي انتهت إليها، وإليكم نص الافتتاحية :

كشف جوزف طربيه، رئيس جمعيّة مصارِف لُبنان، في مُؤتَمرٍ صِحافيٍّ عَقدَهُ أمس في مَقرّ الجمعيّة بيروت، أنّ مصارِف لُبنانيّة قامَت بتحويل ودائِع كانت مُحَوَّلةً من المصرف المركزيّ العراقيّ في زمن نِظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين إلى البنك الفِيدراليّ الأمريكيّ المركزيّ بعد الغَزو الأمريكيّ للعِراق في آذار (مارس) 2003، وقال أنّ هَذهِ الأموال كانَت مُودَعةً بأسماء عِراقيّة، ولم يكن أي مِنها مُودَعًا باسم الرئيس العِراقيّ الأسبق.

الجديد في الأمر، أنّ هؤلاء المُودَعةُ هَذهِ الأموال بأسمائِهم قاموا بتَكليف مكتبٍ لُبنانيٍّ للمُحاماة لمُطالَبة بنك عودة، وبُنوك أُخرَى، بمبالِغ تَصِل إلى 800 مليون دولار، الأمر الذي أحدث حالةً من البلبَلة يُمكِن أن تُؤثِّر سَلبًا على سُمعَة النِّظام المَصرفيّ اللُّبنانيّ.

هُناك أمران مُحيّران في هذا المِضمار، الأوّل هو كيفيّة الجَزم بأنّ هَذهِ الأموال تعود إلى الرئيس العِراقي صدام حسين شَخصيًّا، والثاني هو عَن مدى قانونيّة تحويل هذهِ الأموال إلى البنك المركزي الفِيدرالي الأمريكي، وليس إلى البنك المركزي العراقي في بغداد، لأنّ هذه الأموال عِراقيّة بالدَّرجةِ الأُولى، وخَرَجت من مصرف مركزيّ عِراقيّ، حتى لو كانت باسم أشخاص كانوا مِن رِجالات العِراق في زمن الرئيس العِراقي الأسبَق.

التَّشويه هُنا لا يَقتصِر فقط على سُمعَة النِّظام المَصرفيّ اللُّبنانيّ، وإنّما أيضًا سُمعَة الرئيس العراقيّ صدام حسين وأُسرَتِه، ونِظامِه أيضًا وهذا أمرٌ مُستَنكرٌ في الحالَين.

نَستغرِب صمت السُّلطات العِراقيّة على هَذهِ المَسألة، وعَدم المُطالَبة بوثائِق رسميّة مُتعلِّقة بإيداع هذه الأموال، ومن ثَمَّ تحويلها إلى البنك المركزيّ الأمريكيّ دُونَ الرُّجوع إليها، ونَتساءَل في الوَقتِ نَفسِه عن عدم إقدامِها على أيِّ جُهودٍ لاستعادَتها، خاصَّةً في ظِل حاجَة الشَّعب العِراقيّ إليها في هذا الوَقت الذي تَنهار فيه الخَدمات الأساسيّة من ماءٍ وكَهرَباء.

الرئيس صدام حسين، اتَّفَق معه البَعض أو اختلف، لم يَملُك حِسابًا شَخصيًّا سواء في مصارِف العِراق المحليّة أو في الخارج، كما لم يَبْنِ قُصورًا لنَفسِه، ولا يُوجَد أي إثبات بأنّ له أراضٍ أو مَنازِل خاصَّة، وكان يَقضِي إجازاتِه داخِل العِراق، ومَكَث أكثر من 15 عامًا مُطارَدًا من أمريكا وحُلفائها، وأبناؤه وأحفاده يَعيشون في ظُروفٍ ماليّةٍ صَعبةٍ، وعلى صَدقات حُكومات عَربيّة في قطر واليمن والأُردن، ولم يَتِم رَصد أيُّ حِسابٍ أجنبيّ باسمِهِم في أيِّ مَكانٍ في العالَم.

صحيح أنّه أقام الكَثير من القُصور في زَمَنِه، ولكنّها كانت قُصورًا للدَّولةِ العِراقيّة، ومُسجَّلةً باسم الدَّولة، وعادَت مُلكيّتها إليها، ومن مَساخِر الصُّدَف أنّ من هاجَموه وانتقدوه لبنائِه هَذهِ القُصور، يُقيمون حاليًّا فيها، ومعهم حُلفاؤهم الأمريكان، والمَنطِقة الخَضراء أحَد الأمْثِلَة.

إنّه أمْرٌ مُعيبٌ أن يُحاوَل البعض تشويه اسم هذا الرَّجُل بهَذهِ الطَّريقةِ المُشينة، وهو الذي قادَ المُقاومة ضد الاحتلال الأمريكي، وبنى عِراقًا قَويًّا مُهابًا، رفع رأس العِراقيين عالِيًا، وأخطاؤه تتواضَع أمام أخطاء النُّخبَة التي حَكَمت العِراق بعده، ونَهبِها أكثر من ألفِ مِليار دولار من أموالِ الشَّعب العِراقيّ وثَرواتِه، ومَن يقول هذا الكلام ليس نحن وإنّما نتائج التَّحقيقات التي أجْرَتها مُؤسَّسات أمريكيّة نفسها، والحَديث عن فساد الفِئَة الحاكِمة المَذكورة يَزكُم أُنوف مَلايين العِراقيين، وباتَ حديث مُعظَم الصُّحُف والمَنابِر والدَّواوين.

النِّظام المَصرفيّ اللُّبنانيّ، إذا كان حَوّل هذه الأموال فِعلاً إلى البنك المركزيّ الأمريكيّ، ودُون الالتزام بالإجراءات القانونيّة الدوليّة المُتَّبعة، فإنّه يَفقِد استقلاليّته وحياديّته ومِهنيّته أيضًا، وهذا أمرٌ آخَر مُؤسِف، لِمَا يُمكِن أن يَترتَّب على ذلك من تَداعياتٍ خَطيرةٍ على الاقتصاد اللُّبنانيّ، الذي كانَ النِّظام المَصرفيّ مَفخَرته وجَوهَرة تاجِه، في وَقتٍ يَصِل فيه الدَّين اللُّبنانيّ العام إلى أكثَر مِن مِئَة مِليار دولار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى