مختاراتمقالات

فلنخرج من هنا..إلى العراء!

أين المفر؟ نحن في المنتصف وكل ما يدور حولنا يحاصرنا..

سيداتي سادتي.. أهلاً بكم إلى عالم الصورة النمطية..

“التنميط هو اختزال المعلومات والحقائق وتصنيف الناس ووضعهم في قوالب عامة وجامدة وإصدار أحكام متسرعة وغير مدروسة بحقهم، من خلال الحكم على الآخر من خلال نمط واحد ووضعه بقوالب جاهزة صنعتها لنا الذاكرة الجماعية المتراكمة والمجتمع”.

لنفهم معنى الصورة النمطية ليس علينا سوى تخيل المشهد التالي: «صورة عالم كيميائي» وما الذي يتبادر إلى أذهاننا فور تخيُّل تلك الصورة؟ يتبادر إلى أذهاننا فوراً القفازات التي يضعها في يديه، النظارات الواقية، انبوبين يحمل كل واحد منهما بيد، سائل ملون يحاول أن يدمج من خلالها الأنبوبين… ليس هذا سوى تبسيط لتتضح لنا فكرة الصورة النمطية. لكن لنجرب الآن توسيع الفكرة كأن نقول: فلسطينية/ي، مسلمة/م، مثلية/ي، ملحدة/د. إلخ.
هكذا اذن أصبحت الكلمة تسحبنا إلى ما قد اكتسبناه من خلال هذه الصورة دون المحاولة حتى في التفكير مرة أخرى.

“لقد بتنا ضمن هذه الدوامة لا مفر منها”

يقول الفيلسوف الفرنسي «ميشيل فوكو» في مفهوم «الحوكمة الذهنية» إن السلطة تشكل ذوات الأفراد بحسب ما ترغب من خلال عملية اجتماعية ممنهجة، وبذلك تكون ذواتهم خاضعة لها.

في عصر العولمة والعالم الذي يسير على إيقاع سريع تعمل الحكومات والمنظمات الدولية وجمعيات المجتمع المدني في العالم على تمكين الشباب وتعزيز قدراتهم وتوجيهم على اعتبار أن الشباب هم عصب المجتمع النابض وهم الفئة المهيئة لتقبل كل ما هو جديد وعلى استعداد للتغيير والانتفاض والانفتاح، لكن أين الشباب العربي من هذا؟ وما علاقة التنميط هنا!

الزمن يتبدّل بسرعة مع سمة لافتة هي أننا أصبحنا نعيش في العلن، إذ لم يعد بإمكان الطبقات الحاكمة أن تخفي أمراً ما بحيث أن عصر الشبكة العنكبوتية الذي نعيشه مع كل ما يحتويه من تطبيقات يرشدنا بيسر وسهولة إلى كل ما يدور حولنا. لن ندخل في سياق تحديد مخاطر هذا العالم وايجابياته بل لنضيء على الإيجابيات التي سمحت لنا أن نعي أننا لسنا وحدنا “هنا” والـ “هنا” تشمل مختلف القضايا التي قد تعنينا، الأمر الذي يدل على أن الثورة الرقمية لها تداعيات إيجابية على حاملي تلك القضايا وسلبية على تلك السلطات والطبقات الحاكمة.

“لقد أصبحنا الجلاد والضحية في آن واحد”

من حيث لا ندري لبسنا الثوبين معاً وبتعبير أدق أجبرنا على ارتدائهما سوياً. يبدأ تنميطنا قبل أن نولد فيختارون ديننا وإسمنا وهويتنا الجندرية ويزرعون في ذاكرتنا الأشكال والصور المسبقة لكل ما حولنا. فننشأ لندرك حجم التخبط الذي نعانيه من مجتمع يفرض علينا الأمور كما فرضت عليه من خلال الذاكرة الجماعية التي تشكلت على نحو أو آخر وزرعت في أذهاننا، ونعود نحن لنكمل المسير، لأن من السهل علينا كبشر اتباع الخطوط المرسومة على أن نرسم خطوطاً جديدة أو على الاقل أن نترك الصفحة بيضاء.

التنميط هو مفتاح العنصرية

بطبعية الحال فإن للكائن الحي مخزونا من الذاكرة لا يمكن محوها بسهولة، وهذا المخزون ليس وليد اللحظة، بل بفعل الاكتساب الذي يبدأه من الطفولة التي تتفاعل مع المحيط وتراكم منه مع كل ما يسمعه ويقع ناظره عليه من أشياء، وهذا ما يعزز من الصور النمطية لدينا ويرسخها في دواخلنا. وهذه الصور لا تبقى صوراً صامتة بل تجيّر لتعزيز الفكر العنصري بحيث يتم تسليط الاضواء على الامور السلبية وحفظها ضمن هذا الإطار، وهي تُظهر الجانب المظلم الذي يرتكز عليه مفهوم التنميط، وهنا تكمن خطورة الصورة النمطية بحيث تتحول إلى سلاح صامت فعال وقوي في يد السلطات الحاكمة.

إن التشتت والضياع الذي يعانيه الشباب العربي اليوم لا يعود إلى الجهل أو الفقر أو الافتقار أو إلى التطور والنمو بالدرجة الاولى، بل يعود بطريقة أو بأخرى إلى مفهوم التنميط الذي يترسخ عميقاً في دواخلنا ويجعلنا غير مستعدين لمحاولة التغير أو تقبل أفكار مغايرة عن التي اكتسبناها طوال حياتنا.

إن لم نساعد أنفسنا للخروج من هذه الدائرة فلن نخرج. ولن يخرجنا أحد من هنا! فالحرية هي الخمس دقائق الأولى التي نولد فيها.. حينها نكون عراة بلا إسم وبلا دين.. فلنعري أفكارنا من الموروثات وننادي الآخرين بصفاتهم الحسنة ولنجعل للدين سمة واحدة هي الانسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى