رصد-قديم

“فيلق القدس” فكرة قبل ظهور الثورة الخمينية..لماذا تأسس وكيف؟

نشر موقع “معهد واشنطن”، مداخلات لباحثين حول إيران واحتدام الصراع الإقليمي، وقد اخترنا منها مداخلتين، لباحثين اثنين، هما نادر اوسكوي (“مركز سكوكروفت للاستراتيجية والأمن” في “المجلس الأطلسي”) مؤلف كتاب”احتدام الوضع: «الحرس الثوري» الإيراني والحروب في الشرق الأوسط” ، والثاني علي ألفونه (معهد دول الخليج العربي) مؤلف كتاب ” “كشْفْ وجه إيران: كيف يحوّل «الحرس الثوري الإسلامي» الحكم الثيوقراطي إلى ديكتاتورية عسكرية” – (2013).

المداخلتان تناولتا بإيجاز، تأسيس “الحرس الثوري” ومن ثم “فيلق القدس”، من حيث تشكل الفكرة ومن ثم تنفيذها بالاستثمار على مؤسسات الدولة الإيرانية السابقة، ثم تطور هاتين المؤسستين وتنامي تأثيرهما في إدارة الدولة وإمساكهما بقرار الجمهورية الإسلامية وعلاقتهما بمرشد الجمهورية. وهنا النص:

نادر أوسكوي

يعالج كتابي الجديد سؤالاً واحداً وهو من أنشأ «فيلق القدس» التابع لـ «الحرس الثوري الإسلامي» وكيف تأسس على وجه التحديد. ففي الفترة التي سبقت الثورة، توقّع آية الله روح الله الخميني ومستشاروه أن تشهد إيران فترة طويلة من الصراع قبل أن يشعر الشاه بأنه مرغم على التنحي عن السلطة. وخلال التخطيط لتلك الفترة، ناقشوا تشكيل جيش من الشعب يمكنه إرغام الشاه على مغادرة البلاد وبالتالي تجنّب حصول انقلاب ضده. وعلى الرغم من مغادرته في النهاية دون مقاومة، إلا أن فكرة جيش الشعب بقيت قائمة.

وبالفعل، بعد مرور أسابيع قليلة على اندلاع الثورة، بدأ النظام الجديد بإرساء الأسس لميليشيا شيعية من خلال تجنيد لاجئين أفغان كانوا قد فروا من الحكم الاشتراكي في كابول. ونظّم القادة الإيرانيون أولئك اللاجئين ضمن قوات مقاتلة منفصلة وأعادوهم إلى أفغانستان، حيث حاربوا الحكومة الاشتراكية والسوفييت. واستمرت رؤية التجنيد هذه خلال الحرب بين إيران والعراق، عندما انضمّ العديد من العراقيين إلى الجانب الإيراني لمحاربة صدام حسين، وبعد ذلك في لبنان، حيث شجعت طهران على تأسيس «حزب الله». ومؤخراً، وسّع النظام الإيراني عملياته الميليشياوية الأجنبية لتطال سوريا.

وهناك سؤال آخر يدور منذ فترة طويلة حول ما إذا كان «الحرس الثوري الإسلامي» يعمل كتنظيم مستقل أو منظمة خاضعة لسلطة المرشد الأعلى. حين اندلعت الثورة، برزت دائرتان للسلطة في طهران: الحكومة التي أدارت المهام اليومية والجهاز الثوري الذي أشرف على تشكيل «الحرس الثوري» و«فيلق القدس» وتنظيمهما. وفي الوقت نفسه، جمعت المرشد الأعلى – الذي تصدر هرمية الجهاز الثوري – ولا تزال تجمعه علاقة معقدة مع «فيلق القدس»، وتنبع هذه إلى حد كبير من عزم هذه الجماعة في الصمود أكثر من الجمهورية الإسلامية. ويقيناً، يحتاج «فيلق القدس» إلى المرشد الأعلى لإضفاء الشرعية على أساسه الديني واستقطاب المجندين الشيعة. غير أنه من الناحية النظرية، يمكن لـ «فيلق القدس» العمل بمفرده، لا سيما أنه أصبح يسيطر الآن على مجموعة من الأعمال خارج إيران، ويمتلك مخابئ أسلحة في كافة أنحاء الشرق الأوسط، ولديه نفاذ مباشر إلى أكثر من 50 ألف مقاتل شيعي في المنطقة.

وبالنسبة لقدراته وتكتيكاته العسكرية، يجمع «فيلق القدس» وسائل غير متناظرة وتقليدية على السواء. ففي سوريا، تخطى مهمته الأساسية المتمثلة بإنقاذ نظام بشار الأسد ليبدأ بجهود تحدي إسرائيل على الأراضي السورية. وقد أسهم هذا التجاوز في خلق فرص أمام واشنطن من أجل التصدي لحرية تحرك التنظيم في المنطقة، وعرقلة أعماله خارج إيران، وحظر نفاذه إلى المطارات والموانئ التي يستخدمها كقنوات تهريب.

أما بالنسبة لاحتمال التوصل إلى حل وسط بين الولايات المتحدة وإيران، فإن الحرب في اليمن تبدو وكأنها أحد البنود القليلة ضمن قائمة المطالب السابقة لوزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو التي يمكن لكلا البلدين العمل على معالجتها*. وقد وجدت السعودية وحلفاؤها نقاط ضعف في إستراتجية إيران هناك، مما أدى إلى وقف شحنات الأسلحة إلى المتمردين الحوثيين، لذا قد تكون طهران أكثر استعداداً للتفاوض على إنهاء النزاع.

علي آلفونه

يقول البعض إنه تمّ تأسيس «فيلق القدس» بعد أسابيع قليلة من اندلاع الثورة الإيرانية، إلّا أن التنظيم برز فعلياً قبل ذلك بكثير. فتَجَسّده الأول كان على يد الرئيس المصري جمال عبد الناصر في عام 1964. وبعد الانقلاب الإيراني عام 1953، رأى الثوار أنه كان من المستحيل الإطاحة بالشاه من خلال حملة سياسية. وبدلاً من ذلك، قرروا أنه لا بدّ لهم من إطلاق صراع عسكري ضدّه، وكانت مصر الدولة الوحيدة الراغبة في تزويدهم بالمال والتدريب والأسلحة. من خلال هذه العملية، تواصل الثوار الإيرانيون مع نظرائهم في جميع أنحاء المنطقة، حيث أسسوا حركة ثورية عابرة للحدود الوطنية.

ومع قيام هؤلاء الإيرانيين ببناء قدراتهم، بدأ جهاز الاستخبارات في البلاد “السافاك” بمطاردتهم في أرجاء المنطقة وتعقّب أنشطتهم عن كثب. وبعد سقوط الشاه، استحوذ الثوار على مقر “السافاك”، فقرر العديد من ضباط الوكالة الانضمام إلى «الحرس الثوري» المؤسَس حديثاً خلال الاضطرابات التي أعقبت ذلك. ومن خلال الجمع بين قدرات الثوار وضباط “السافاك”، تطورّ «الحرس الثوري» ليصبح التنظيم الماهر الذي هو عليه اليوم.

وفي حين يملك «الحرس الثوري» سجلاً حافلاً في التأثير بشكل ملحوظ على الدول المجاورة لإيران، إلّا أن الحكومة المدنية لم تحقق نفس القدر من النجاح. ويَعتبر البعض أن قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني شخص يمكنه زعزعة سمعة الحكومة بسبب عدم كفاءتها وفسادها إذا ما ترشح لرئاستها، ولكنه لن يكون سياسياً مؤهلاً. وبدلاً من الاهتمام بإمكاناته السياسية، من الأفضل أن يسعى المسؤولون إلى تكوين فهم أعمق لـ «فيلق القدس» كمؤسسة. ويتنامى ميل التنظيم إلى اتخاذ خطوات مستقلة من نواح عديدة، لذلك فإن تقييم أهدافه الاستراتيجية أمر ضروري للتنبؤ برؤية الجهورية الإسلامية للمستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى