انتخابات

قراءة في انتخابات بعلبك الهرمل

صحيحٌ أن الإنتخابات النيابية التي أجريت في لبنان، مؤخراً، تشابهت في الأهداف والأسلوب والنتائج وما ظهر فيها من مفاجآت غير متوقعة، إلا أن انتخابات البقاع في بعلبك الهرمل جاءت لتعكس بصورة لا يقاربها الشك هدف السلطة الحاكمة المتمثلة بحزب الله في إخضاع البقاع وأهله لإرادة الحزب وإبقائهما تحت سلطته ووصايته شاءا أم أبيا.

كيف خاض حزب الله إنتخابات بعلبك – الهرمل؟ وما هي الأهداف والشعارات التي وضعها؟. وهل حقّق ما رسم له وعمل عليه.؟؟!!

مع اقتراب موعد الإنتخابات النيابية راح حزب الله يستخدم، إعلامياً، شعارات من العيار الثقيل لاستثارة عواطف البقاعيين وإخراج حماستهم العاطفية، وهذا ما لم يستخدمه في أي منطقة أخرى، بغية استغلال بساطتهم وصدقهم لتوظيفها في خدمة اهدافه السياسية.

وتولى السيد حسن نصرالله، أعلى سلطة في الحزب، شخصياً، رفع الشعارات النارية وتسويقها داخل المجتمع البقاعي بغرض التأثير به. والهدف هو إسقاط النائب أنطوان حبشي الذي كان مرشحاً على “لائحة بناء الدولة” التي ترأسها الشيخ عباس الجوهري.

ومع أن النائب حبشي استطاع في دورة 2018 انتزاع مقعده النيابي من لائحة حزب الله. وهو يلقى احتراماً وتقديراً لدى بعض قيادات الحزب وجمهوره، لكن كان لا بد من تحويله إلى هدف وطني “ووجودي”، لتكون المعركة ضده كـ “حرب تموز” كما عبّر نصرالله، لإمتصاص نقمة البقاعيين وسخطهم بسبب الإهمال والظلم والمعاناة التي يئنّون تحتها من جرّاء سياسة حزب الله الظالمة تجاههم.

إذن، معركة بعلبك الهرمل الإنتخابية، كانت، بالنسبة لحزب الله، واضحة الهدف؛ إسقاط انطوان حبشي ممثل حزب القوات اللبنانية، ومنع نجاح أي مرشح شيعي، وهو يعرف إن لا إمكانية في ذلك لظروف يعلمها جيداً، لذلك أعدّ العدّة لمواجهته وحضّر كل أسلحته حتى الممنوعة إنتخابياً، ووعد ناسه بأن الفوز بهذه الحرب هو “إنتصار تموزي” ثانٍ.

والحزب الذي يدرك تماماً أن الغضب الشعبي البقاعي كبير عليه كان متخوفاً من “الهزيمة” بالمعركة رغم إيهامه بيئته بأن “النصر”سيكون حليفه، لذلك خاض انتخابات البقاع لاغياً كل الخطوط القانونية الحمراء، متجاوزاً كل “المحرّمات “الانتخابية”، مستخدماً مختلف أنواع الغش والتزوير غير آبه بسلطة رئيس قلم أو دركي أو قوى عسكرية أو حتى كرامات المندوبين للوائح أخرى.

فعدا المال الإنتخابي الذي فلَشَه لناسه عشية الانتخابات استخدم أسلوب تكثيف اعداد المندوبين في كل قلم دون حاجة عملانية وقانونية لذلك بهدف التأثير على الناخب ورئيس القلم. وألغى عوازل انتخابية لا سيما في القرى والبلدات التي تحت سيطرته عائلياً. ووضع لوائح شطب حقيقية على حوائط الغرف وأخرى مزورة لدى المندوبين وهيئة القلم..

وتولى مندوبون تابعون له مشاركة الناخبين في إختيار لوائحهم. وكان يُدخل آخرين حاملين معهم، بشكل ظاهر، أعداد من لائحة الحزب. وتأمين انتخاب الشباب الصغار والأموات…

فضلاً عن ممارساته المتنوعة في الترغيب والترهيب وافتعاله للعديد من المشاكل الأمنية. كل هذا وغيره جرى رصده بالصوت والصورة ميدانياً لدى جميع الأطراف والمراقبين.

أمام هذا الكم الهائل من المخالفات والتجاوزات القانونية والأخلاقية في عملية يفترض أن تكون الديموقراطية فيها هي العنوان، لم يستطع حزب الله منع منافسه أنطوان حبشي من حصوله على حقّه القانوني والشعبي في عدد الأصوات الذي أهلّه للفوز على منافسه في لائحة السلطة طارق حدشيتي.

وكان حبشي قد إتخذ “تدابير “إحترازية مسبقة لمنع إسقاطه زوراً. وهو لذلك أرسل إلى مراكز الإقتراع في القرى والبلدات الشيعية مندوبين له يحملون شعار “القوات”، حيث عملوا على تحصين مرشحهم من التزوير ووثّقوا المخالفات التي إرتكبها عناصر ومندوبو “الحزب”. حتى قيل إن إتصالاً جرى بين رئيس حزب القوات سمير جعجع والرئيس نبيه بري لمنع حزب الله من إسقاط حبشي بقوة التزوير “والعنتريات”.

وبشأن ما قاله النائب المنتخب جميل السيد من أن انشغال بعض زملائه في اللائحة بحجب الصوت التفضيلي عنه لتحجيمه أفسح المجال أمام النائب انطوان حبشي للفوز على زميلهم في اللائحة عقيد حدشيتي ليس صحيحاً. فأصوات حبشي المسيحية هي هي وقد حصل على 17000 صوت تفضيلي مع بعض الأصوات الشيعية والسنية التي تؤهله لبلوغ الفوز.
والخلاف الذي حصل يوم الانتخاب بين حركة أمل وحزب الله وداخل الحزب والحركة حول الصوت التفضيلي كان في بعض البلدات حول إسم غازي زعيتر وإسم حسين الحاج حسن الذي فَرَضَ الحزب على محازبيه إعطاءه الصوت التفضيلي لرفع أسهمه الشعبية بسبب حالة النقمة والكره له في مختلف بلدات المنطقة.

وفيما خصّ جميل السيد فهو رفيق بوسطة “غير مرحب به” من قبل الثنائي الشيعي كونه جرى فرضه على اللائحة من بعض القيادات السورية القريبة من الرئيس بشار الأسد لاعتبارات لها علاقة بمرحلة ما بعد الانتخابات النيابية بحسب بعض المعلومات.

وعليه فإن إعطاءه الصوت التفضيلي سيكون على حساب مرشحي الحزب والحركة ما يهدّد نجاحهم. لذلك من أين سيأتي المرشح المسيحي عقيد حدشيتي بالأصوات التفضيلية الشيعية.؟؟!!

في المحصّلة فإن “الحرب الشعواء” التي أطلقها حزب الله في إنتخابات بعلبك الهرمل وربط بنتائجها “وجوده” كما أوهم محازبيه ومناصريه في المنطقة والتي كانت بوجه النائب المنتخب انطوان حبشي وضمناً ضد كل شيعي تسوّل له نفسه الترشح أو النجاح إرتدّت عليه خسارةً وهزيمةً وتراجعاً حاداً في شعبيته وقوته السياسية.

فالهدف الذي حدده الحزب في حربه لم يَسقط بل فاز بإرادة شعبية وأثبت حضوره في المنطقة. ما شكّل هزيمة نكراء لقيادة حزب الله وإحباطاً قاسياً للجمهور الموعود بإسقاط “المشروع الصهيوني” في بعلبك الهرمل. وأضاع الجهود المالية التي قُدّرت بعشرات الملايين من الدولارت، والحملات التحريضية والتجييشية والتزويرية التي بُذلت في مهب الخسارة.

ثم إن نسبة تراجع التأييد الشعبي للحزب في المنطقة وصلت إلى حوالى الستين بالمئة كما كشفت نسبة الإقتراع التي لم تتجاوز الاربعين بالمئة رغم التزوير، محذوفاً منها نسبة الأصوات التي نالتها اللوائح الأخرى. وأيضاً، ازدادت نسبة الناقمين عليه بسبب رفضه للعملية الديموقراطية وحرية التعبير واختيار المرشحين، واعتماده الأساليب غير القانونية والِمخالفة للمعايير الإنتخابية والدينية والأخلاقية ما أظهر هشاشة شعاراته وحقيقة أهدافه.

فهل، بعد الخسائر الفادحة التي مُنِيَ بها حزب الله في إنتخابات بعلبك الهرمل يتّعظ ويغيّر من سياسته الإنمائية والخدماتية تجاه منطقة أعطته من شبابها وأرواحها ودمائها وولائها على مدى أربعة عقود فحوّلها إلى منطقة منكوبة لا تقوى حتى على تأمين رغيف الخبز والدواء.؟؟!!

الصورة من جريدة الأخبار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى