مُعاش

قرار حاصباني: جريمة بحق المستشفيات الحكومية ومرضى الوزارة في البقاع

تحقيق وتصوير عبير شمص

شكّل قرار وزارة الصحة خفض السقوف المالية للتغطية الصحية على حساب وزارة الصحة في مستشفيات البقاع صدمة لدى مرضى المنطقة الذين أطلقوا صرخة مدوية تردّدت أصداؤها في مستشفيات الجنوب وعكار وطرابلس والتي طالها القرار أيضاً… المرضى في منطقة البقاع أملوا أن تلامس صرختهم اسماع معالي وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال غسان حاصباني، لعله يعيد النظر في القرار الذي أقل ما يقال فيه إنه جريمة بحق المستشفيات الحكومية والقطاع العام، وجريمة بحق مرضى وزارة الصحة في البقاع والمناطق اللبنانية.

المستشفيات الحكومية التي كانت تنتظر زيادة السقوف المالية للاستشفاء على حساب وزارة الصحة فوجئت بهذا القرار الذي جاء مخيباً لآمال مرضى منطقة البقاع وزاد من أوجاعهم. وطرح تساؤلات عن السياسة الاستشفائية المتبعة في لبنان، ففي الوقت الذي تسعى فيه الدول من أجل رفع مستوى أداء قطاعها العام من مستشفيات ومؤسسات صحية وتربوية ودعمه بكل الطرق المتاحة، تسير الحكومات في لبنان عكس ذلك فتصب جهودها لاضعاف ذلك القطاع بشتى الطرق والوسائل، مما يؤدي إلى إقفال مؤسسات تربوية وإلى وضع مزري تشهده المستشفيات الحكومية التي ترزح تحت وطأة الإهمال واللامبالاة والاجحاف.

شجبٌ عام…

شكل القرار مفاجأة للمستشفيات كافة في كل المناطق وجُوبه بالرفض من الجميع لاسيما في البقاع وبعلبك_الهرمل وعكار والجنوب. وفي هذا الإطار تحدث مدير ورئيس مجلس إدارة مستشفى الهرمل الحكومي الدكتور سيمون ناصر الدين لـ “مناطق.نت” فاعتبر القرار بمثابة عملية إنهاء وتحجيم وقضاء على المستشفيات الحكومية لا سيما أن النسبة الأكبر من المواطنين والبقاعيين تحديداً يستشفون ويتعالجون على حساب وزارة الصحة. وناشد الدكتور ناصر الدين وزير الصحة غسان حاصباني العودة عن القرار وأن لا يخطئ خطأ تاريخياً بحق المستشفيات الحكومية لا سيما أننا على أبواب سلسلة الرتب والرواتب. معتبراً القرار أنه بمثابة إعدام بحق المستشفيات الحكومية وتقليصا لدورها.

بدوره رأى مسؤول مكتب الصحة في حركة أمل في إقليم البقاع الدكتور غسان اسماعيل أن القرار يحمل في طياته الكثير من الإجحاف بحق المستشفيات الحكومية في البقاع لا سيما مع ما تعانيه المنطقة من حرمان وإهمال، لافتاً إلى أن قرار التخفيض شمل مستشفى بعلبك الحكومي الذي  تمتد رقعة خدماته إلى رياق بالإضافة إلى قرى وبلدات قضاء بعلبك، مشيراً إلى أن ٦٠ ٪ من مرضى المنطقة يتلقون العلاج والاستشفاء على نفقة وزارة الصحة.

واعتبر اسماعيل أن هذه المستشفى التي تضم الكثير من الأقسام المجهزة والمتوقفة عن العمل بحاجة لإعادة فتحها ورفع السقف المالي فيها لا إلى تخفيضه.

لا توقيع…

أمام هذا الواقع وجد مديرو ورؤساء مجالس الإدارة في المستشفيات الحكومية أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مر، وهما إما الرضوخ والتوقيع وهذا فيه اجحاف بحق مستشفياتهم ومرضاهم بحيث تقل فرص الاستشفاء على حساب الوزارة ونسبة المستفيدين، وإما الإحجام عن التوقيع وتسجيل موقف رافض لهذا القرار وهذا ما حصل إذ امتنع عن التوقيع العديد من المستشفيات سواء في البقاع أو باقي المناطق اللبنانية، وبالتالي فإن العقد حتى الآن يفتقد لتوقيع الطرف الثاني بانتظار ما ستؤول إليه الأمور. وهذا يعتبر غير قانوني لأنه غير مستوفٍ للشروط، ومن المتوقع عند وصوله إلى ديوان المحاسبة أن يرد إلى الوزير،  وهو ما أكده الدكتور إسماعيل بأن القرار حتى اللحظة لم يتم توقيعه في ديوان المحاسبة.

كسر مرسوم بقرار….

لعل ما يحصل في المستشفيات يشكل سابقة يحاول الوزير حاصباني تكريسها مع العلم أن إلغاء مرسوم لا يتم بقرار، وهذا لا يجوز من الناحية القانونية والدستورية، إذ لا يحق لوزير إصدار قرار يلغي بموجبه مرسوما صادرا عن رئيس الجمهورية،  وهذا سبب إضافي  للطعن في قانونية وشرعية القرار.

البقاع والحق المهدور…

“الله لا يوقع حدا بإيد حكيم أو حكومة ” لعل هذا القول ينطبق مع جرى في شأن تخفيض السقوف المالية للمستشفيات الذي أصدرته وزارة الصحة وهذا ما يدعو للأسف، فالمريض اللبناني والبقاعي وقع في يد حكومة ظالمة بقرارات مجحفة. تدفعنا للتساؤل عن حق المريض الذي لا يملك إلا خيار الاستشفاء على حساب وزارة الصحة وليس لديه أية جهة ضامنة غيرها؟!… أين الحد الأدنى من حقوقه في الخدمات الطبية؟!…وماذا يفعل بعد تجاوز المستشفيات للسقف المالي المحدد ابتداءً من منتصف الشهر؟!..

في هذا السياق يلفت الدكتور ناصر الدين إلى أن عشرات الآلاف من المواطنين في هذه المناطق المحرومة يستشفون على حساب وزارة الصحة، في الهرمل مثلاً  هناك بين ٤٥٠٠ و٥٠٠٠ مريض يتلقون العلاج على حساب الوزارة، ويمكن القول أن ٨٠ ٪ من سكان قضاء الهرمل هم مرضى وزارة، بالإضافة إلى أبناء القرى الحدودية الواقعة بين لبنان وسوريا مثل ربله، زيتا، مطربا، حاويك، غوغران، العقربية، ويبلغ عدد هذه القرى حوالى الخمسين قرية وهؤلاء كانوا يتلقون العلاج في سوريا، لكن بسبب الأزمة السورية لم يعد لديهم سوى الأراضي اللبنانية وبالتحديد مستشفى الهرمل الحكومي كونها الأقرب جغرافياً لتلقي الرعاية الصحية،  وعلى حساب وزارة الصحة فغالبيتهم من الفلاحين والمزارعين ومربي الدواجن والمواشي وينتمون إلى الطبقة الفقيرة لا وظيفة ولا جهات ضامنة تغطي نفقات استشفائهم.

مستشفى الهرمل نموذجاً…

يشكل مستشفى الهرمل الحكومي فيما يتعلق بخفض السقوف المالية نموذجاً للمعاناة التي يعيشها أبناء المنطقة، نظراً للمساحة الجغرافية المترامية الأطراف التي يغطيها وهي تمتد من وادي فيسان إلى عرسال والمستشفى تعتبر الأكثر استيعاباً لمرضى الوزارة لا سيما أن الوزارة غير متعاقدة مع مستشفى العاصي من جهة،  والسقف المالي لمستشفى البتول يكاد لا يذكر نظراً لقدرتها الاستيعابية المحدودة.

وفي قراءة سريعة للسقف المالي لمستشفى الهرمل الحكومي فقد بلغ رقم ٣٤٥٠٠٠٠٠٠٠ حين كان الوزير وائل أبو فاعور وزيراً للصحة، وبالرغم من ذلك فقد كانت ترافق هذا الرقم شكوى  دائمة بأن السقف المالي غير كاف وينتهي وينتهي ما بين ١٥ و٢٠ من الشهر وأحياناً نذهب إلى تجاوز رقم المليار إضافي، حينها يصبح المريض بحاجة إلى كتاب وزير. ويؤكد د. ناصر الدين أن الناس في هذه المنطقة لا خيار لديها سوى المستشفى الحكومي لتلقي العلاج، فمعظم الناس هم من الطبقة الفقيرة وترهقها بدلات النقل في حال قررت الانتقال إلى خارج المنطقة لتلقي العلاج. واعتبر د. ناصر الدين إلى أننا كنا نطمح إلى رفع السقف المالي إلى أربعة مليارات ليرة من أجل تأمين حاجات الناس، لكننا فوجئنا بالتخفيض الذي صدر عن الوزير الذي تفاءلنا بقدومه معتبرين أنه سيهتم بالمناطق النائية والأكثر حرمانا في البقاع وعكار،  لكن النتيجة جاءت بتخفيض المبلغ إلى ٢٩٠٠٠٠٠٠٠٠ سنة ٢٠١٨ أي ما قيمته حوالى ٥٥٠ مليون ليرة لبنانية شهرياً.

إجحاف بحق البقاع…

في الوقت الذي خُفضت فيه السقوف المالية للمستشفيات الحكومية في البقاع لم يتم رفعها في المستشفيات الخاصة فيه، وعليه فإن الإجحاف طاول المستشفيات الحكومية والخاصة، وهذا الأمر يطرح تساؤلا حول المحسوبيات والمصالح الفئوية في هذا القرار؟ والتساؤل أيضاً أين تكمن الأسس العلمية التي على أساسها وزع الوزير حاصباني السقوف الحالية؟

قضية خفض السقوف المالية للمستشفيات الحكومية في البقاع هي برسم الوزير والمعنيين…فهؤلاء الفقراء والمرضى الذين يثقل كاهلهم عناء العيش في تلك المناطق النائية المهمشة ليس لهم سوى الدولة للجوء إليها في ظل غياب مقومات العيش والحد الادنى من الخدمات؟! ألا يكفي ابن الهرمل حتى الذي يتعالج على حساب الضمان الاجتماعي انه مضطر لأن يقطع ما يقارب ٦٠ إلى ٧٠ كلم إلى مركز ضمان بعلبك ليستحصل على موافقة العلاج والاستشفاء ليعود إلى مستشفى الهرمل الحكومي؟!!…

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى