مواسم

قضية خاشقجي: بين طمع الباشا العثماني وسخاء البدوي العربي

حسين حمية

لم يتصرف أردوغان في خطابه اليوم مع السعودية على أنه قاض مع متهم، ليس تواضعا منه أو لياقة، أو إجلالا لهذه الدولة واحتراما، فهذه ليست من شيمه، ألم يقل لرئيس وزراء العراق العبادي: من أنت لتخاطبني؟ أم نستعيد عنجهيته وهو يهدد ألمانيا وسائر الأوروبيين؟ لم يشأ أن يكون قاضيا، لأن هذا الدور لن يفيده، هذا يعني إقفال ملف جريمة خاشقجي، وإعلان العداوة الكاملة مع السعودية، والعدوات خسائر وأكلاف واستنزاف سواء أكانت للمنتصر أو للمهزوم.

لكن اختار اردوغان الدور المناسب، وتصرف مع السعودية، على أنه محقق، كان خطابه بوليسيا خالصا، إن بسرده وقائع من جريمة خاشقجي أو بأسئلته الاتهامية التي أعاد فتح التحقيق السعودي قبل أن يختمه النائب العام في الرياض على أحمد عسيري وسعود القحطاني نزولا.

ملف خاشقجي عند اردوغان هو بئر نفط ولو على ورق، وشطارته أن يفرغه على آخر نقطة، فالاستثمار على الدم حرفة قديمة في هذا الشرق، على قميص عثمان وصل الأمويون إلى المُلك، وبثارات الحسين أزاحهم بنو العباس ليجلسوا مكانهم، على هذه المحاكاة تتحول الضحايا الأدنى إلى مراكب للسلطة أو التأثير فيها أو جني المال، ومثل هذا نعايشه هنا في لبنان.

لو أن خاشقجي يمني أو باكستاني أو أفغاني، لكان خبرا بسيطا في دفاتر الشرطة، يطوى ذكره مع قلب الصفحة، لأن قيمة ضحايا مثل هذه الجنسيات لا تساوي الكتابة عنها أو كلفة البث المباشر أو ثمن التسريب الإعلامي بل هي أقل بكثير، بينما خاشقجي وراءه ضرع نفطي لا يمكن حلبه دفعة واحدة أو مرة واحدة، وهذا يعرفه اردوغان، وعليه، لم يقفل الملف، وكان الاتهام بالتقسيط.

عندما قال أردوغان أنه سيتحدث بعد يومين (اي هذا اليوم) عن تفاصيل جريمة خاشقجي، لم يكن يوجه دعوة إلى وسائل الإعلام العالمية لتنقل خطابه، إنما كان تهديدا للرياض، فالوقت وقت مساومة، بينما كان الاعتقاد عند الناس بأنه سيكشف خفايا الجريمة، وإذ به يكرر أسئلة سبق أن طرحتها وسائل إعلامه وسربتها إلى وسائل إعلام أخرى، الإضافة الوحيدة في هذا الخطاب هو جعل من هذه الأسئلة مادة الابتزاز، ولا أحد يقدّر قيمتها إلا الضحية.

أردوغان لديه ما يكفي ليتهم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وهذا بشهادة إعلامه الذي لم ينقطع عن ضخ التسريبات الصادرة عن أجهزته، لكن الباشا العثماني، يعرف العقلية البدوية لضحيته:

فإذا شربتُ فإنني مُسْتَهْلِكٌ…مالي وعرضي وافرٌ لم يُكلم.

بن سلمان الذي اشترى واشنطن كلها ليكون ولي العهد، من وول ستريت إلى مجمع الأعمال ووادي السيلكون ومرورا بكـّتاب وصحافيين ومراكز بحوث وفكر، سيرخص عليه ثمن أنقرة، ويعرف بالوقت نفسه، أن تجريمه لن يطعم خبزا لأردوغان، فالخلاف هو على ثمن البراءة لا غير، وهذه مسألة رهن الوسيط الأميركي ومخزون الضرع السعودي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى