آراءمقالات

لبنان بين عبوديتين: الترهيب الإيراني والتجويع السعودي

لا شيء جديداً في لبنان سوى أن الزمن ينقضي من عمر اللبنانيين. ما يجري من أحداث هنا، على دمويتها أو توترها لا تبدّل أو تعدل شيئاً من هذه الحقيقة. ليست المشكلة أن كل شيء يراوح مكانه، إنما الأدهى، هو يحفر في هذا المكان نفسه ويتعمق فيه أكثر وأكثر، ما يصعّب اقتلاعه وتحركه.

لا شيء يتقدم في هذا البلد سوى الزمن. ما يجري فيه يختلف عن المحاولات الأبدية والمتكررة لسيزيف في نقل الصخرة من سفح الجبل إلى قمته، فهذا البطل الإغريقي يدرك جيداً بأنه لن ينجح أبداً في مهمته وإن الصخرة ستفلت من يديه في كل مرة قبل بلوغ القمة بقليل. مع ذلك لم يكن ليضجر، فهو يعلم أنه يتلقى عذاباً إلهياً، لكن ماذا عن عذابات اللبنانيين وعدم قدرتهم على زحزحة صخرة الصراع الإيراني السعودي الجاثمة على بلدهم؟

لا معنى جديداً للإشكال الذي تسببت به تصريحات الوزير جورج قرداحي سواء استمر في منصبه أو أجبر مضطراً على مغادرته. حتى أن الحل الذي تتم بلورته أو يُحكى عنه سيكون على شكل حيلة وخديعة لن تخرج اللبنانيين من حفرة صراعات الآخرين التي استدرجتهم إليها أحزابهم وسياسييهم.

ما يجري هو حرب بين عبوديتين يرزح تحت نيرها اللبنانيون، إيرانية بالأمن والعسكر، وخليجية بالمال والاقتصاد. ما يجري ليس إلّا تلاعباً باللبنانيين تارة بالترهيب وأخرى بالتجويع، في حين يتولى السياسيون تلطيف أدوات الاستعباد هذه، بتغليفها بشعارات التحرير والانتصارات والازدهار الاقتصادي، لم يعد اللبناني يصدّق منها بعدما صارت معروفة ومكشوفة الأهداف.

سبق القول، إشكال قرداحي، هو قضية تافهة وسخيفة، ووجوده في منصبه أو عدمه لا يساوي شيئاً. هو إعلامي مشهور، لكن محتوى شهرته ليس فكرياً أو ثقافياً أو علمياً، إنما استمدها من برامج ترفيهية وفوازير رمضانية كان يعدّها للشعوب الخليجية لقتل الوقت عند ذوي الثقافات الضحلة. وبات معروفاً اليوم، كيف يتم استخدام المشاهير لترويج السياسات، وهذه الموضة متبعة دولياً وعربياً ولبنانياً، وهكذا نلاحظ تغريدات المغنيات والمغنين والفنانين وعارضات الأزياء والمذيعين هي أكثر من أغانيهم وأعمالهم وبرامجهم. ولا يفوتهم التدخل بأي قضية تمس الشأن العام، وكل ذلك وفقاً لرغبات الجهات المشغلة لهم أو التي تستثمر على شهرتهم.

المقصود أن قرداحي مروج سياسات (على شاكلة مندوبي المبيعات للشركات) أكثر مما هو صاحب سياسات، ووجوده في حكومة ميقاتي كان تبعاً لهذه الحيثية. وعليه، فهو ليس المشكلة، واتخذته السعودية ذريعة لتصفية حساب مع ميقاتي، فما يحدث مع هذا الوزير، يصح به المثل العامي “طلعت براسو”. المشكلة في مكان آخر، هي في اقتراب لحظة تقاسم النفوذ في المنطقة بعد الحديث عن موافقة إيران على استئناف مفاوضاتها النووية في آخر هذا الشهر.

وهذا ما استدعى حرب الأرقام على الساحة اللبنانية بين إيران والسعودية. الأولى كشفت رقماً مهولاً للتخويف، بتأكيدها بلسان وكيلها في لبنان أن لديها 100 ألف مقاتل من اللبنانيين فقط. مثل هذا الرقم لا يخيف جعجع وحده، إنما القسم الآخر من الداخل ومن يقف معه في الخارج.

بالمقابل، وحتى لا يشط موزّع النفوذ الأميركي بين قبضايات الإقليم، قررت السعودية وقف الاستيراد من لبنان، وترد على الأرقام الإيرانية بأرقام أخرى. فقرارها العقابي للبنان هو تلويح بحرمانه مئات ملايين الدولارات، وهذا يكفي لتجفيف جيوب اللبنانيين وسحب اللقمة من أفواههم، في وقت هم بأمس الحاجة إلى ما يساعدهم في تدبير كفاف يومهم بعد ضياع مدخراتهم وانسحاق ليرتهم أمام الدولار.

لا يمكن غض الطرف عن هذه الأرقام الخطيرة. هي حقائق شديدة المرارة وعلى اللبنانيين التعامل معها، لأنها لن تبقى حبراً أو لفظاً على الورق أو في الهواء، ستأخذ طريقها إلى أرض الواقع في حال…

الوساطة الأميركية بين سياديي الممانعة وسياديي الخليج، قد توفر مساكنة مؤقتة بين الترهيب والتجويع، لكن هناك حقيقة قديمة ما زال التاريخ يرددها عن الاستعباد وهي: لا يمكن لعبدٍ أن يخدم سيدين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى