متابعات

لبنان في الزمن الإيراني…”خوش آمديد”

إعلامياً في الجهة المناوئة لحزب الله، هناك حديث عن احتلال إيراني أو القول أن لبنان دخل العصر الإيراني، مع ذلك، سياسيا، لم تؤخذ على محمل الجد مثل هذه التوصيفات. أضف أن لا شيء سيتغير، لو أُخذت على محمل الجد، كوننا في بلد يفتقر إلى تعريف واحد لسيادة الدولة وله تاريخ طويل في تبرير التدخلات الخارجية بشؤونه وتلوين الاحتلالات بمبادرات أخوة وصداقة.

اعتاد اللبنانيون على التدخلات الإيرانية في شؤونهم. فما حدث مؤخراً لم يكن صاعقة في سماء صافية. التدخل الإيراني كان حاضراً في تشكيل حكومة نجيب ميقاتي الأولى في 2005، وهو وراء إسقاط حكومة سعد الحريري قي 2010، وثم في تشكيل حكومة ميقاتي الثانية في ال 2011، وكذلك حكومات ما بعدها. وكان معارضو إيران يهضمون التدخلات الإيرانية باستجرار تدخلات خارجية لكبحها أو موازنتها برشاوى حزب الله السياسية في تركيبة السلطة.

لم يعد الأمر كذلك، التطورات الأخيرة في لبنان، إن لجهة البصمة الفاقعة في ولادة الحكومة أو لجهة توزيع الحصص السياسية فيها، مضافاً إليهما عراضة دخول المازوت الإيراني ليس تزايداً كمياً للنفوذ الإيراني في لبنان، إنما له معنى مختلف عن السابق. هناك تبدل نوعي في هذه التطورات يرقى إلى تغيير توصيف موقع إيران في المعادلة اللبنانية.

طهران تحسن التقاط الفرص

هذا التبدل النوعي في التدخل الإيراني لم ينجم عن زخم إيراني ذاتي، إيران لا يد لها فيه، هي بلد منهك اقتصادياً ونظامها مأزوم شعبياً ويعاني من عداوات واسعة مع الجوار والعالم. لكن طهران تحسن التقاط الفرص التي تتركها لها السياسات الأميركية التي تتقلب على المصالح المتضاربة للحزبين الديمقراطي والجمهوري. كما استثمرت على الغزو الأميركي للعراق والحرب على داعش، تعتبر طهران نفسها أمام فرصة ثمينة مع الانسحاب العسكري الأميركي من أفغانستان ولاحقاً من العراق وسوريا.

الابتعاد الأميركي عن المنطقة للتفرغ لمواجهة الصين في المحيطين الهندي والهادىء، والانكفاء العربي والخليجي خصوصاً عن لبنان شرّعا ما تبقى من أبواب لبنانية مقفلة بوجه إيران. وهذه التبدلات الدولية والإقليمية هي التي أضفت بعداً مختلفا على التدخل الإيراني في لبنان لجهة تسليم رقبته للقبضة الإيرانية أو ترقيته إلى ما يعادل الاحتلال والسيطرة على هذا البلد. كانت ذات مغزى عراضة الصهاريج الإيرانية، تتعدى فرحة كسر حصار مزعوم تم استخدامه للتمويه. مغزى يعبّر عن أفراح إيرانية استراتيجية، هي أفراح الفتوحات التي ستطول بعد إنجاز الإتفاق النووي وفي ظل معارضة لبنانية هشّة وشكلية.

السذاجة، هو تصوير حكومة ميقاتي وبعض معارضي حزب الله دول خط الغاز العربي (مصر والأردن وسوريا) على أنها تعوّض الغياب الخليجي وتضع حدوداً للنفوذ للإيراني وحصره بالساحة الشيعية. ويستند هؤلاء إلى كلام مسؤولي هذه الدول و”نخوتهم” في “مساعدة” لبنان لتوفير الكهرباء. هكذا في الإعلام وفي تصريحات السياسيين، يجري الحديث عن “مساعدة” للبنان!! وليس عن عملية بيع أو صفقة تجارية بملايين الدولارات تلك الدول هي بأمس الحاجة إليها، ويتقاضون أثمانها من قروض لبنان من البنك الدولي.

الدول المذكورة، ليست مؤهلة لتقديم مساعدات لا بل تحتاج إلى من يساعدها، منها ما هو مفلس ومنها ما هو على حافة الإفلاس وتعاني من أزمات اقتصادية حادة قريبة من الأزمة الاقتصادية والمالية اللبنانية. وبخلاف إيران، تشعر كل من مصر والأردن أن “رأسها بالدق” بعد اكتمال الانسحاب الأميركي من المنطقة، وهي في طور استرضاء الإيراني وتتصرف على طريقة “أنج سعد فقد هلك سعيد”.

إيران وتعبئة الفراغ الأميركي

هذا لا يعني أن السيطرة الإيرانية على لبنان ستكون بالسلاسة التي يتصورها الساعون إليها أو الخائفون منها. يمكن لإيران تعبئة الفراغات السياسية التي يحدثها الابتعاد الأميركي عن المنطقة والانكفاء أو العجز العربي، لكن هي لا تملك القدرات الاقتصادية الكافية لحل مشاكل اللبنانيين الحياتية والمعيشية. سبق القول إن إيران دولة منهكة اقتصادياً لدرجة أن أحد مسؤوليها دعا الشعب الإيراني لتناول البروتينات النباتية بدلاً من الحيوانية، وتعاني من تضخم وتدني سعر صرف عملتها، وتشهد مدنها وبلداتها بشكل دائم احتجاجات شعبية على الأوضاع المعيشية المزرية.

وما يعقّد المهمة الإيرانية في لبنان، أنها مجبرة على التحالف مع طبقة سياسية فاسدة يشتبه اللبنانيون بوطنيتها ويحملونها مسؤولية ما لحق بهم من خراب وكوارث، ويصرون على محاسبتها عاجلاً أم آجلاً. إلى هذا، إن صورة إيران بالوعي اللبناني (أقله نصف اللبنانيين) مطبوعة بحبر ما خلفته سياساتها وتدخلاتها في العراق وسوريا واليمن، وهي صورة ملونة بالمآسي والفقر وانعدام الأمن وانهيار مشروع الدولة.

منذ القدم، ليس هناك انتصار مطلق حتى لو اختفى الأعداء والأخصام كلياً. والانتصارات ليست مكاسب فقط أو استيلاء على ما تركه المهزوم، إنما تحمل معها أعباء وتحديات وتوارث مشاكل المهزومين. وهذه لا يكون التخفف منها أو معالجتها كما في بروباغندا المازوت الإيراني بتلفظ “خوش آمديد” في المناطق المسيحية أو المساعدات الإنسانية لذوي ضحايا الحريق في التليل السنية. الوقت ما زال مبكراً للحكم. نتناوله في آوانه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى