آراء

ما الذي ستغيّره انتخابات ال2022؟

“كل شيء سيتغير في هذا البلد ليبقى كل شيء على حاله”، قيل هذا، في فيلم “ليوبارد” عن صقلية موطن المافيات التي تعفنت فيها الجريمة والفساد، ورغم هذا الانهيار المتمادي لم تجد هذه الجزيرة مخرجا وتنجو. هناك جزئية من هذه العبارة يصح استعارتها للبنان، وهي ما ستغيره الانتخابات المقبلة هو ليبقى كل شيء على حاله. أليس مثل هذا، كان يحدث في كل الانتخابات السابقة؟

الانتخابات هي فرصة للمحاسبة وللتغيير السلمي والهادىء في بلدان تديرها دول مكتملة وناضجة، أما في أشباه الدول هي وسيلة لاستدامة الواقع البشع و”مكيجته” بشرعية زائفة لضرورات خارجية اكثر مما هو استجابة لعوامل داخلية.

وما كانت الانتخابات المزمع إجراؤها في لبنان في 15 من هذا الشهر لتجري في حال ساورت أحزاب السلطة المشاركة فيها شكوك بأنها تحمل تغييرا يهدد مصالحها أو يمس دورها في معادلة السيطرة على البلد. كل شيء في هذه الانتخابات تم تصميمه ليبقى الحال على حاله، بدءا من القانون التي تجري في ظله ومرورا بالأنظمة التي ترعى نزاهتها وسلامتها وانتهاء بقدرة الأجهزة أمنية أو قضائية أو إدارية التي تتولى تسييرها. كل هذه الأمور وبخلاف كل الإدعاءات والمزاعم، هي لتبقى الانتخابات قسراً سندا قانونيا ودستوريا لواقع الحال.

لن تختلف هذه الانتخابات عن سابقاتها التي مرّت مرور الكرام على سرقات مجلس الجنوب وصندوق المهجرين ومجلس الإنماء والإعمار والتوظيفات الميليشياوية التي كسرت ظهر الدولة وغيرها من الصفقات التي ما زالت روائحها النتنة تعبق بالبلد ومؤسساته على الرغم من مضي سنين عليها.

ومهما كانت نتائج الانتخابات المقبلة، لن تسقط المشروع الإيراني بصناديق الاقتراع، كما أنها لن تجلب العدالة لضحايا انفجاري المرفا وعكار، ولن ترجع للمودعين أموالهم، ولن تستعيد من المصارف مليارات الدولارات التي بخششها لها رياض سلامة تحت مسمى هندسات مالية. وبعد فتح صناديق الاقتراع، لن تعود الأموال المهرّبة للخارج، ولن تغلق السجون أبوابها على لصوص الكهرباء والسدود المائية وقروض الإسكان مع أنهم معرفون اسما اسما ورئيسا رئيسا ونائبا نائبا ووزيرا وزيرا وموظفا موظفا.

نحن في دولة مافيا ولسنا في دولة قانون ومؤسسات حتى تكون الانتخابات أداة محاسبة وتغيير. نحن في دولة قادتها هم على دراية كاملة بالحضيض الذي دفعوا إليه بلدنا عن سابق تصور وتصميم. ومع ذلك، مضوا بكل وقاحة في ترشيح أنفسهم وأزلامهم لأنهم على قناعة وثقة بأنهم هم الرابحون، ولا شك في ذلك. فهولاء أصحاب خبرة مديدة في ابتداع الخدع والحيل والأكاذيب لتضليل الناس، يكفي أنهم ضمنوا استمراريتهم في السلطة لأكثر من ثلاثين عاما، مارسوا خلالها أسوأ انواع الحكم وارتكبوا الارتكابات والتجاوزات بصورة لاعقلانية، وها هم الآن على عتبة التجديد مرة أخرى، وكأن شيئا لم يكن.

لا يعني هذا دعوة لمقاطعة لانتخابات، في دولة المافيا، تبقى الانتخابات شديدة الإزعاج للطبقة الحاكمة، لأن نتائجها تستدعي إعادة النظر بتوزيع غنائم السلطة، وهذه غالبا ما يرافقها خلافات وتشنجات. كما تضعها الانتخابات في ظل ضغوطات هي بغنى عنها، فتستنزف صدقيتها نظرا لتراكم وعودها الكاذبة مع الوقت، وفيها ما يحرجها بابتذالها شعارات باتت مضحكة أو عجزها عن ابتكار تفنيصات تتغطى بها، اضف إلى استنزافها ماديا لشراء الذمم واسترضاء الناخبين.

إلى هذا، الانتخابات هي حق لنا كمواطنين يجب ممارسته في ظل أي ظرف، ولا يجوز التنازل عنه بذريعة أن النتائج لن تكون على قدر التطلعات والرغبات. استحالة التغيير المطلوب في لبنان المافيوزي من الداخل امر مسلم به، ولن يحدث لا بانتخابات ولا بغيرها، لكن تبقى الانتخابات استئناف للصراع السلمي مع الطبقة الحاكمة وأحزابها إلى أن يقضي القدر أمرا كان مفعولا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى