مواسم

مجزرة الكلاب في طرابلس..والهندسة السريّة للعواطف

حسين حمية

عُثر منذ يومين على عدد كبير من الكلاب النافقة داخل مزرعة في طرابلس، وإذ فتحت السلطات الأمنية تحقيقا  لتوقيف المتورطين في ارتكاب هذه المجزرة، فقد كان لبنان شهد مقتلة كلاب ممائلة من ذات العيار أواخر العام الماضي قامت بها إحدى بلديات الضاحية الجنوبية تحت ذرائع يمكن معالجتها بغير المذابح.

كلا الحادثتين لقي تنديدا واسعا من الناس، لكن كان هناك فريق من اللبنانيين يأخذ على المنددين ترفهم العاطفي وإهدار مشاعرهم الإنسانية على عذابات البهائم، في وقت أن العواطف المتوافرة لا تفي بالترحم على أطفال اليمن وسوريا، وهو عند البعض ترحم مسيّس ومنحاز وانتقائي وما يصلح في سوريا يبطل في اليمن والعكس، وتلتبس فيه الحدود بين الرحمة والحقد، فالعاطفة تتحرك وفقا للسياسة والطائفة والمذهب، وليس من أجل الطفولة على إطلاقها.

بالمقابل، ولو أثارت مذابح الكلاب في لبنان السخط على القتلة والشفقة على ضحاياها، إلا أنها تؤخذ على أنها عمل فردي وتبقى موضوعا خارجيا ومعزولا عن قضايا المجتمع، فيُترك في فضائه العاطفي والإنساني، لكن الحقد على الحيوانات أواسترخاص حياتها هي قضية اجتماعية، والموقف منها ينسحب على فضايا أخرى، فلا وجود لعاطفة خام، والمشاعر تخضع للتعديل والتوجيه والتصنيع تبعا لمشيئة المشتغلين بهذه الصناعة.

في كتابه “كائن لا تُحتمل خفته” وبمناسبة تذكر بطلة هذه الرواية تيريزا خبرا قرأته في الماضي جاء فيه “جميع الكلاب في إحدى المدن الروسية قد قتلت جميعا”، يتوقف الروائي التشيكي ميلان كونديرا عند هذا النوع من القتل ووظائفه غير المرئية وأهدافه المشبوهة.

ويتذكر كونديرا وهو الذي عايش الاجتياح الروسي لبلاده في 1968، استخدام سلطات الاحتلال مجازر الكلاب، فعندما دخل الروس بدباباتهم إلى تشيكوسلوفاكيا، وقفت الأمة جمعاء ضدهم، كان المحتلون يلمسون ما يختزن التشيكيون من بغضاء وحقد وكراهية لهم لا يظهرونها ويخادعونهم بحب روسيا والإيمان بالشيوعية، ولما كان شغل الروس الشاغل انتقاء تشيكيين لوضعم في سلطة موالية لهم، كان لا بدّ لهم من وسيلة لسحب هذا الحقد من دوافن التشيكيين وتفريغه في أماكن أخرى، “ذهبوا للبحث عنهم بين هؤلاء الذين يغذون الرغبة الحقودة في تسديد حساباتهم مع الحياة…كان الأمر يتطلب أن يُشدّ أزر هذه العدائية وتغذيتها وجعلها في تأهب.وتدريبها أول الأمر ضد أي خطر محتمل، وهذا الخطر يكمن في الحيوانات”.

هل تذكرون عندما قام أحد وزراء داخلية لبنان بتصنيع “تخويف” وهمي ليقدّم  أمنا ويتقاضى فيه من المواطن تأييدا سياسيا وإشادة بكفاءة الوزير، هل تذكرون ملاحقة حزب الشيطان، على هذا المنوال نسج الروس مخططهم، وجعلوا التشيكيين يتقيأون حقدهم على الشيوعية، فباشرت وسائل الإعلام الموالية للاحتلال حملة موجهة ضد الكلاب، وإذ “.كان الناس لا يزالون يعيشون الصدمة الناتجة عن كارثة الاحتلال، إلا أن الصحف والمجلات والإذاعة كانت تتحدث فقط عن الكلاب ملوثة الأرصفة والحدائق العامة والمهددة لصحة الاطفال والتي لا تنفع لشيء والتي يجب إطعامها” وحدثت المقتلة..وبعد مرور سنة على ذلك، انصب الحقد المتراكم الذي جُرب على الحيوانات على هدفه الفعلي اي الناس، وبدأت عمليات التسريح من العمل والتوقيفات والمحاكمات، عندها استطاعت الحيوانات أن تأخذ أنفاسها.

ماذا لو تم تنظيف شوارع الضاحية من الكلاب بدون ضجيج؟ وليس محاكمة للنيات، إنما اتباعا للمنطق، لكان سيأتي الدور فيما بعد على من هم يعيشون عيشة الكلاب، فبعد تدريب عاطفة الناس على القسوة ضد الحيوان، يسهل لملمة المتسولين والمتشردين، فالإعلام المأجور جاهز، ولندع ترهات 8 و14 آذار.

يُقتل في طرابلس أكثر من 40 كلبا، للاستيلاء على أرض والاستثمار فيها، والبعض يطالب ألا يُزعج بحديث التعاطف مع كلاب، مع ان فطرة الرحمة مزروعة في النفس الانسانية، وهي مخصوصة للحيوان، لكن شجب المجزرة سيفيض برحمته على إنساننا في هذا البلد، لا يُعقل الطلب من الناس أن تتنازل عن الرحمة من إجل رأسمال متوحش تسقط كل الحرمات أمام استثماراته ولن تتوقف على الكلاب، فالدور قادم على مخلوقات أخرى.

العاطفة كالجسد تحتاج إلى رياضة وتدريب لتبقى على طهرها ونقاوتها، لم يكن عبثا إحجام الإعلام الغربي عن نشرصور جثث المجازر في بلداننا أمام أعين مجتمعاته، فالحفاظ على البيئة العاطفية يصب في أمن هذه المجتمعات وتراحمها، وعلى هذا منحت هذه المجتمعات حقوقا للحيوانات وجرّمت كل ما ينتهكها.

وأخيرا، تبقى تلك الوصفة التي أودعنا إياها كونديرا لقياس رحمتنا : “الطيبة الحقيقية للإنسان لا يمكن أن تظهر بكل نقائها وحريتها إلا حيال هؤلاء الذين لا يمثلون إي قوة.فالامتحان الاخلاقي الحقيقي للإنسانية (الامتحان الأكثر جذرية والذي يقع على مستوى أكثر عمقا بحيث أنه يخفى عن أبصارنا) هو في تلك العلاقات التي نقيمها مع من هم تحت رحمتنا أي الحيوانات”..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى