مواسم

مجزرة طريق أبلح – نيحا..ليست مسألة مرورية فقط في بعلبك الهرمل

حسين حمية

حتى الآن لم ترد تلك التفاصيل الصغيرة والبسيطة التي قالها الأهل لضحاياهم قبل أن يقضوا في حادث السير على طريق ابلح النبي أيلا. هي تفاصيل معروفة، وهي خاصة بأهل البقاع عامة وبعلبك الهرمل خاصة، وهي صغيرة، كونها عبارة عن توصيات وإرشادات للانتقال من بيروت إلى المنطقة والعكس، منها ” لا تطلعوا بأي فان”، “إركبوا مع شوفير كبير العمر”، “وين صرتو؟” ، “قطعتوا ضهر البيدر؟”.

اقتراحات وأسئلة عابرة، هي في لحظتها شديدة الخفّة، بالكاد التفكير بها يطول عن ثوان، ثم تضيع في حركة الواقع، لكن هي ليست كذلك، بعد وقوع حادث وسقوط إصابات، وفجأة تتضخم بكلمة “لو”، فلا تعود تفاصيل بسيطة وصغيرة، وتنقلب من حكمة إلى حسرة، مع ذلك، تتأستذ تلك التفاصيل الصغيرة علينا بالكارثة، وهذه من خاصية الشعوب والأمم التي لا تسمع بالكارثة إلا بعد وقوعها.

لا مفر في هذه الحياة من المآسي والكوارث، لكن دائما كان هناك ما يخفف منها أو يقلل خسائرها أو يعزي ضحاياها وذويهم، هو الإفادة منها، معظم الأمم والجماعات استثمرت على الكوارث بالتعلم منها، حتى لا تتكرر، أو الاستعداد لها في حال وقوعها.

لم يتم التعامل في منطقة البقاع ولا في بعلبك الهرمل مع حوادث سير طريق بيروت إلى المنطقة، على قدر النكبات التي وقعت عليه، فلم يجعل الأهالي ولا ممثليهم في الدولة، من مسألة مواصلاتهم مع بيروت مسألة وطنية، بقيت قضية ثانوية، والأكتفاء بمعالجتها عبر إنارة طريق ضهر البيدر، علما أن طريق بيروت البقاع بعلبك، لم يعد صالحا لتنقل آلاف المواطنين وحركتهم التجارية والمعيشية منذ زمن بعيد.

مسألة طريق بيروت ضهر البيدر للمنطقة، تتعدى السلامة المرورية إلى الاقتصاد وأمور أخرى، وأيضا تطرح، قضية تفاوت الأعباء في الالتزام بالوطنية اللبنانية، فالتسليم بعاصمة واحدة تجمع اللبنانيين وتركيز الإدارة والاقتصاد والثقافة والسياسة  وفرص العمل وتلقي العلم فيها على حساب المناطق الأخرى..هذا التسليم ليس واحدا بين اللبنانيين، فكلفته على ابن الجبل وابن الجنوب وابن طرابلس، هو أدنى بكثير عن ابن البقاع أو ابن عكار، وجزء من ارتفاع هذه الكلفة على هاتين المنطقتين هي المواصلات.

تختلف مشاق الرحلة من الهرمل إلى بيروت عنها عن مشاق الرحلة من صور أو طرابلس إلى بيروت، ففي الاتجاه جنوبا، هناك عنق زجاجة واحدة يتحشد فيها السير عند حاجز الجيش في الأولي، وشمالا هي في ضبية، أما إلى البقاع لا يكفي أن يتنفس السائق وركابه الصعداء لدى اجتياز الزحمات الخانقة في الجمهور وعاريا والكحالة وعالية ثم شتورة وسعدنايل والفرزل والحواجز العسكرية، إنما المشكلة في القلوب التي تكاد تفر من الصدور أثناء القيادة على ضهر البيدر مع الشاحنات.

بالأمس وقعت مجزرة سير حقيقية على طريق ضيقة بين ابلح ومفرق نيحا، والخسارة الكبرى فيها إلى ضحاياها من شبان في مقتبل العمر، هو أن الأمور كما في مجازر السير الأخرى هو ضياع المسؤولية بتحميل أحد السائقين الخطأ، ولو كان هذا صحيحا إلا أنه لن يفيد.

قد يكون بعض سائقي النقل و الفانات وسائقي المنطقة، أكتسبوا  كثيرا من عاداتهم السيئة والخطرة  من طرقاتهم وخصوصا طريق ضهر البيدر، فهذا الطريق مدرسة لتعليم القيادة الجنونية، وأيضا من ضعف الرقابة على الألتزام بقوانين السير، ومع ذلك يجب تسييس قضايا حوادث السير في المنطقة، ليس لمصلحة هذه الجماعة الحزبية أو تلك، إنما لتصحيح علاقة المنطقة بالمركز ومساواتها  أقله بتحسين مواصلاتها مع العاصمة كما غيرها من المناطق، فلا يعقل حل هذه المشكلة دائما بالسؤال “هل قطعتم ضهر البيدر؟”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى