محمود سويد: هذه سيرتي وهكذا أسّسنا لبنان الاشتراكي (1)

” الوقوف في محلّة ‘البيادر ‘في كفرحمام (قضاء حاصبيّا) حيث سهل الحولة ينبسط أمامنا، وفي وسطه بحيرة طبريّا تتلألأ تحت أشعّة الشمس، فتُشكّل منظرًا رائعًا. هذا ما لا أنساه أبدًا راسخًا منذ طفولتي لا يغادر“. في مكتبه المتواضع يجلس ابن الـ 89 عامًا فيحدثنا في ما يشبه حوار العمر، امتدّ لساعات واستغرق أكثر من جلسة، عن حصاد السنين وسيرتها الشاقّة والمشوّقة، بدءًا من كفرحمام حيث أبصرت عيناه النور، مرورًا بصيدا، ومنها إلى بيروت وما بينها من محطّات عديدة، تستحقّ أن تروى، لأنّها لا تحكي سيرة رجل وحسب، بل حكاية بلد ومعاناة شعب عاشهما محمود سويد بكل تفاصيلهما. وهو لم يكن شاهدًا على الحدث وحده، إنّما في أحيانٍ كثيرة كان صانعه والمايسترو الذي يضبط إيقاعه.

من أين نبدأ الحوار مع الأستاذ محمود سويد؟ من كفرحمام حيث أبصرت عيناه النور، أم من صيدا التي انتقل إليها لمتابعة دراسته، أم من بيروت التي استقرّ فيها وشكّلت القسم الأكبر من حصاد العمر؟ هل نبدأ من السياسة وقضيّة فلسطين وانخراطه المبكر في النضال السياسيّ والعقائديّ؟ أم نبدأ من رحلته في مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة حيث أمضى جلّ عمره عاملًا ومديرًا فيها؟ كلّ ما فعلناه أنّنا ضغطنا على مفتاح التسجيل والبقيّة تكفلّ بها الأستاذ محمود.

” وُلدتُ في كفرحمام، وهي قرية صغيرة من قرى منطقة العرقوب، تقع عند سفح جبل الشيخ “. يقول سويد الذي يتمتّع بذاكرة وقّادة تستطيع أن تروي بهدوء وبأدقّ التفاصيل ما مضى عليه عشرات السنين.

الطفولة والحرب العالميّة الثانية

في العام 1936 وُلِد محمود سويد في كفرحمام، تلك القرية الرابضة في قلب ”العرقوب“ والتي كانت ولمّا تزل نائية مُتنائية، هناك حيث الطبيعة البكر، أرض التين والزيتون، ملعب الريح والسنونو، والفضاء الأزرق المفتوح على المدى.

وصولًا إلى العام 1948، لم يكن محمود سويد قد غادر كفرحمام، لكنّه يتذكّر طفلًا وخلال الحرب العالميّة الثانية، أنّ المنطقة عاشت أجواء حرب ودارت فيها معركة ضخمة، بين الجيش الإنكليزيّ القادم من فلسطين، والجيش الفرنسيّ الذي كان متواجدًا في المنطقة ويتبع حكومة ”فيشي“ التي بدورها كانت متعاونة مع الألمان. يروي سويد أنّ القذائف في حينه سقطت في راشيّا الفخّار، فلجأ أهلها إلى كفرحمام، هربًا من الخطر، وربّما لأنّ القصف على كفرحمام كانّ أقلّ. ويتذكّر أنّ ”كلّ عائلة أو عائلتين من راشيّا الفخار الجارة، حلّت أو حلّتا في أحد بيوت كفرحمام، فالعلاقات بين البلدتين كانت علاقة وحدة حال حقيقيّة“.

ما يتذكّره سويد لا تزال آثاره ماثلة في سهل الخيام، وهي عبارة عن مطار ومستشفى أنشأهما الجيش الإنكليزيّ عندما احتلّ المنطقة، إضافة إلى تحصينات كانت حتّى الأمس القريب قائمة، ويمكن مشاهدتها أثناء عبور الطريق الممتدّة من نهر الخردلي صعودًا باتّجاه تلّ النحاس، وكانت عبارة عن خرسانات حجريّة ضخمة (ترانشيّات) وضعها الفرنسيّون بين المعابر لصدّ تقدّم الدبّابات الإنكليزيّة.

أذكر أن منزلنا كان يستضيف أكثر من عائلة. عائلتان على الأقل، إحداهما دائما خوري راشيا وعائلته وقد كان الخوري صديقاً حميماً لوالدي الشيخ الذي لعب دوراً رئيسياً في تمتين الصداقة بين القريتين كفرحمام وراشيا الفخار، وعندما يشتد القصف على كفرحمام – وكنت صغيراً لا أقوى على الركض، فيمسكني والدي من أحد ذراعي ويمسكني الخوري من الذراع الاخرى ويركضان رافعيني عن الارض، فلا أعيقهما عن الركض من المنزل الى آخر الحديقة، حيث بعض الصخور التي يمكن الاحتماء تحتها.

أسعد سويد الإمام والمعلّم

لم يكن الشيخ أسعد سويد، والد محمود مجرّد عالم دين أو مربٍّ، بل كان يمثّل الطمأنينة لأهالي بلدته كفرحمام. وثق به أبناء القرية، وأرسلوا أبناءهم ليتعلّموا على يديه. وكانت مدرسة الشيخ أسعد أرقى قليلاً من مدارس ذاك الزمان تحت الشجرة، إذ كانت تحتل غرفة من منزل الشيخ مزودة ببنوك خشبية يجلس عليها التلامذة. كان ذلك لاعوام عديدة، قبل أن يقرّر أبناء كفرحمام إقامة نصب تذكاريّ للشيخ أسعد، تقديرًا للدور الذي أدّاه في نشر العلم والوعي في المنطقة.

بكثير من الحبّ يستذكر الأستاذ محمود والده ”كان إمام قرية كفرحمام، وكان أيضًا المعلّم الوحيد في مدرستها الوحيدة. كانت المدرسة عبارة عن غرفة في بيتنا. تتّسع إلى ما بين 20 و25 تلميذًا ، وفيها بنوك كل بنك يتسع لتلميذين وهو مزود بصندوق تحت الطبقة العليا، يركن فيها التلميذ كتبه وقرطاسيته“. يستعيد سويد سيرة والده الشيخ أسعد فيقول ”وُلد والدي لأسرة فقيرة جدًّا في كفرحمام، وكانت له أختان، وهو الابن الوحيد“.

في باحة منزل مختار راشيا الفخار مسعود مراد العام 1958 اثناء عقد راية المصالحة بين الثوار وأنصار السلطة، وتضم من اليمين امام بلدة الهبارية، كاهن راشيا الفخار حبيب الخوري، مندوب الرئيس اللواء فؤاد شهاب العقيد جميل الحسامي وإمام كفرحمام الشيخ اسعد سويد. (الصورة للأديب الراحل سلام الراسي)
يوم هاجر جدّي إلى البرازيل

ليست سيرة والده ما يتذكّره محمود سويد بأدقّ تفاصيلها، بل كذلك سيرة والد والده. عن تلك السيرة يقول سويد: ”عندما وُلد أبي وأصبح لجدّي ثلاثة أطفال، أدرك جدي أنّه لن يستطيع إعالتهم في كفرحمام، فقرّر الهجرة إلى البرازيل، كما فعل كثرٌ من أبناء القرية في تلك الحقبة. كانت الهجرة إلى البرازيل أمرًا شائعًا، وعندما كان يهاجر أحد ما، يجتمع أهل القرية في بيته أيّامًا قبل سفره، قبل أن يخرجوا لوداعه في فجر يوم المغادرة، فيقفون على الطريق الترابيّ خارج كفرحمام، يودّعونه فردًا فردًا، إذ لا أحد منهم يعلم إن كان سيعود يومًا أم لا“.

بعد مدّة من وصول جدّي إلى البرازيل، وصلت جدتي رسالة من أحد أبناء كفرحمام في ”ساوباولو“، تفيد بأنّ زوجها وصل إلى البرازيل وبدأ يبحث عن عمل، لكن بعد أسبوعين من وصوله، صدمته سيارة ومات. وورد في الرسالة أنّ جدّي دُفن وفق الشعائر الدينيّة الإسلاميّة وبشكل لائق، وأنّ ما وُجد في جيبه من عملة ”الريال“ البرازيلية سيتمّ إرساله إذا صادف سفر أحد اللبنانيّين من هناك إلى المنطقة“.

عندما غادر جدّ سويد كفرحمام، كان والده ما يزال رضيعًا، ضعيف البنية، وحمله والده ليودعه وقال لجدتي: ”هذا الولد ربّما يعيش، وربّما لا، لا يبدو أنّه ابن حياة“.

الجدّة ربّة الكفاح والتعليم

يروي سويد سيرة جدّته بكثير من الفخر، فيقول إنّها أصبحت بعد وفاة زوجها مسؤولة عن إعالة ثلاثة أطفال. عملت في الأرض إلى جانب الفلّاحين مقابل أجر معيّن، وكانت تسعى إلى تعليم أبنائها. وعندما كبُر والد محمود، أرسلته إلى إرساليّة تعليميّة في راشيّا الفخار، قبل أن ينتقل إلى مدرسة في كفرشوبا، بعدها أرسلته إلى دمشق كي يتتلمذ على يد أحد كبار المشايخ هناك.

كانت الأمّ ترسل إليه المال كي يتمكّن من العيش. وعندما أنهى دراسته، عاد إلى كفرحمام، وأصبح أوّل إمام للقرية، وأوّل متعلّم فيها. أمّا المدرسة التي أسّسها فكانت جزءًا من سلسلة ”مدارس فقراء المسلمين في القرى“ التي أنشأتها جمعيّة المقاصد الخيريّة الإسلاميّة في بيروت، في القرى السنّيّة النائية.

من كفرحمام إلى صيدا مسيرة التعليم والكفاح

من هدوء القرية إلى ضوضاء المدينة وصل محمود في أواسط أربعينيّات القرن الماضي إلى صيدا، لم يكن هناك مجال لدخوله إلى ”المقاصد“، لأنّ أُخوته كانوا قد سبقوه إليها واستنفدوا راتب الوالد. فدخل مدرسة ”فيصل الأوّل“، وهي مدرسة تتبع جمعيّة المقاصد، ولكنّها مخصّصة لمن لا يستطيع دفع الأقساط. تعلّم فيها كثيرون، من بينهم لاحقًا رئيس الحكومة الأسبق الراحل رفيق الحريري، لكنّه لم يلتقِ به، لأنّ محمود كان أكبر منه سناً.

يتحدّث سويد عن رحلته التعليميّة فيشير إلى أنّه تلقّى تعليمه بدايةً في مدرسة والده في القرية حتّى سنّ الحادية عشرة. وعنها يروي ”كانت مدرسة تمثل ما بعد زمن الكتاتيب، فيها مقاعد ودفاتر، وكان التعليم يشمل حفظ أجزاء من القرآن، الإملاء، الخطّ، والقراءة، وبعض مبادئ الجغرافيا والتاريخ. كان الخطّ الجميل يُعلّم بعناية، ولا يزال البعض ممّن تعلمّوا عند والدي يحتفظون بخطّ يشبه خطّه“. يتابع ”ذات مرّة، التقيت رجلاً من شبعا من عائلة “ماضي” قال لي إنّه كان يأتي ماشيًا كلّ يوم إلى كفرحمام كي يتعلّم عند والدي، وكان عمره آنذاك 15 عامًا، ولا يزال يتذكّر تلك الأيّام“.

يتحدّث سويد عن رحلته التعليميّة في مدرسة والده في القرية فيقول “كانت تُعدّ الأفضل بين الكتاتيب، فيها مقاعد ودفاتر، وكان التعليم يشمل القرآن، الإملاء، الخطّ، والقراءة، وبعض مبادئ الجغرافيا والتاريخ.

يتحدّث سويد عن المرحلة التمهيدية في مدرسة والده في القرية فيقول ”كانت تمثل ما بعد زمن الكتاتيب، فيها مقاعد حديثة ومكان لوضع ما يحمل التلميذ من كتب ودفاتر، وكان التعليم يشمل حفظ أجزاء من القرآن، الإملاء، الخطّ، والقراءة، وبعض مبادئ الجغرافيا والتاريخ كل ذلك باللغة العربية فقط.

كان محمود سويد أصغر أخوته الستّة: خمسة ذكور وابنة وحيدة. أخواه الكبيران، محمّد وأحمد، غادرا إلى بلدة حاصبيا، حيث كان يقيم قاضي شرع من آل الخماش من نابلس- فلسطين، وقد أصبح صديقًا لوالده. وكنوع من التقدير، عرض القاضي أن يستضيف محمّد وأحمد في منزله كي يتعلّما مع أبنائه، فوافق والده على الفور وأرسلهما. لاحقًا، انتقلا إلى كلية المقاصد في صيدا. ولحق بهما طه وياسين، شقيقاه الآخران، ليكملا تعليمهما هناك، وكان راتب الوالد يسمح بانضمام ولد واحد (طه) أما ياسين فالتحق بالمدرسة الرسمية.

الأهالي يعارضون استكمال التعليم

بكثير من التقدير يروي محمود سويد شغف والده بالعلم وإصراره على أن يتلقّى أبناؤه تعليمهم مهما كلّف ذلك من تضحيات. عن ذلك يروي سويد، فيقول: ”كان والدي الشيخ أسعد الوحيد في منطقة العرقوب آنذاك الذي أرسل أبناءه للتعلّم خارج القرية. كان يُنتقَد بشدّة من أهل البلدة، فكانوا يقولون له: يا شيخ أسعد، أنظر إلى حالك، كيف تترك أبناءك؟ دعهم يعملون إلى جانبك في الأرض حتّى تعيشوا. ماذا سيُنتج منهم هذا التعليم؟“.

لم تلقَ كلّ دعوات أبناء بلدته آذانًا صاغية لدى الشيخ أسعد. ووفق ما يروي سويد الابن أنّ والده أصرّ كما أصرّت والدته عليه سابقًا أن يتعلّم، أصرّ هو أن يُعلِّم أولاده. لكنّ الحملة على والده تضاعفت عندما أرسل ابنته وكانت تكبر محمود بسنتين، أيضًا إلى صيدا كي تتابع تعليمها، فبدأت الحملة تزداد على الشيخ أسعد فيردّدون: ”تبعث بنت لتتعلم؟! ما هذا؟“. لكنّ الشيخ أسعد لم يأبه إلى كل ما قيل، والتحقت ابنته بمدرسة البنات التابعة للمقاصد في صيدا.

علّمنا والدي بعشرين ليرة

يروي محمود ”كان بيتنا في كفرحمام وحده الذي أرسل أولاده إلى خارج العرقوب من أجل الدراسة. كان أخوتي يعانون في صيدا؛ فوالدي قدّم لهم راتبه مقابل التعليم، وكان هذا الراتب زهيدًا لا يتجاوز في البداية الـ 20 ليرة. كان يستكمله للقدرة على الاستمرار بما يقدّمه له أهل القرية مقابل الإمامة من القمح وغيره خلال موسم الحصاد“.

يتابع محمود حديثه عن الظروف الصعبة التي مرّ بها أخوته أثناء تلقّيهم العلم في صيدا ”ظروف معيشيّة كانت قاسية، كان والدي يُرسل إلى أخوتي في صيدا الخبز من كفرحمام، يحمله على ظهره ماشيًا حتّى يصل إلى نقطة يمكن منها إرساله في سيّارة تنقل الركاب من حاصبيا الى صيدا. لكن خلال الحرب العالميّة الثانية، انقطعت هذه الإمدادات، فاضطرّ أخوتي الثلاثة – محمّد، أحمد، وطه – إلى معاناة قاسية للصمود في معركة الاستمرار“.

يضيف: ”ذات يوم، جلس أخي محمّد يتأمل رغيف خبز مقسوم على ثلاثة وحبات تمر من النوع الردئ هو وجبة الغداء، فهطلت الدموع من عينيه وجلس جانباً وكتب رسالة إلى مفتي الجمهوريّة اللبنانيّة آنذاك، الشيخ محمد توفيق خالد، يصف فيها الوضع المزري الذي يعيشه هو وأخوته. وطلب قبوله طالباً في الكلّيّة الشرعيّة، ولم يكن هذا هدف حياته فقد كان شاعرًا، وقد أصدر الجزء الأول من ديوانه. وتعد عائلته بعد وفاته الجزء الثاني “.

مسؤولية طفل قبل النكبة

عندما التحق شقيقه ياسين بالمدرسة الحربيّة، أصبح محمود سويد مسؤولًا عن والدته وأخته في صيدا، وذلك بحسب التقاليد، وكان عمره، نحو 13 سنة. نال الشهادة الابتدائية ”سرتفيكا“، في سنة 1949 وانتقل بعدها الى كلية المقاصد حيث أمضى ثلاث سنوات نال بعدها شهادة البروفيه” (1952).

لم يكن العام 1948 عاديًّا في حياة سويد كما في سائر لبنان، ففي ذلك العام الذي سمي بعام النكبة، أصبحت لمحمود مهمّتان: الأولى دراسيّة والثانية التطوّع لمساعدة اللاجئين الفلسطينيّين ممّن بدأوا يتوافدون بالآلاف من فلسطين إلى لبنان ومنها صيدا، حيث كان محمود ورفاقه يجمعون برعاية ادارة المقاصد داخل أكياس كبيرة مساعدات للاجئين الفلسطينيّين الذين لجأوا إلى مخيّمات أُعدّت لهم في ضواحي صيدا.

يقول ”كنّا ندور على البيوت نجمع ما يُمنح لنا من معلّبات وبطّانيّات وأغطية وغير ذلك، ثم ننقلها إلى المسجد القريب من المقاصد – وهناك كانت جمعيّة المقاصد تتولّى فرز ما نجمع وتوزيعه على اللاجئين“.

حسّن دخول ياسين إلى المدرسة الحربيّة من أوضاع أخوته، فاستأجروا شقّة صغيرة في بيروت، وقرّروا أن ينضمّ إليهم بقيّة أفراد العائلة: محمود ووالدته وشقيقته، بينما بقي والده في كفرحمام، لأنّ الإمامة والمدرسة هناك كانت بحاجة إليه. من الأمور التي يذكرها محمود أنّ المقاصد في صيدا كانت تُلزمهم بالصلاة يوميًّا في المسجد المجاور، وقد أثقله هذا التكليف، فطلب من شقيقه أحمد – عندما زارهم– أن يكتب رسالة للإدارة يطلب فيها إعفاء محمود بحكم مسؤوليّته العائليّة؛ وقد استجابوا للطلب وأعفوه.

الكتابة الأولى والانتماء المبكر

عن رحلته مع الكتابة يقول سويد ”بدأت الكتابة مذ كنت طالبًا في مدرسة ”فيصل الأوّل“، وتابعت ذلك حتّى المرحلة التكميليّة، إذ كنت أكتب أحيانًا مقالات في مجلّة ”وحي الكلّيّة“ التي يعد مادتها طلاب المقاصد. ومع الشعر كتبت قصيدة واحدة في حياتي تدعو الى تكريم اللاجئين الفلسطينيين ومطلعها: ” أكرِمْ ضيوفك يا لبنان مكرّمة“. تألّفت القصيدة من عشرة أبيات، ونُشرت في مجلّة ”وحي الكلّيّة“.

عن تشكّل وعيه السياسيّ والقوميّ يقول سويد: ”في تلك الفترة، كنت قريبًا من الحركات الفكريّة والسياسيّة العربيّة، خصوصًا حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ وحركة القوميّين العرب. لم أنتمِ رسميًّا إلى أيّ من هذه الأحزاب، ولكنّني كنت متأثّرًا في الأجواء والأفكار القوميّة التي بدأت بالانتشار في تلك الفترة، أواخر الأربعينيّات“.

قبل انتقاله إلى صيدا، تأثّر محمود بقريته كفرحمام ثقافيًّا بما يصل اليه من نتاج شعراء وكتاب جبل عامل. كان أحيانًا يمزح مع أصدقائه قائلًا: ”كان جبل عامل مصدر ما يصلنا في مطلع تكويني الثقافي. أي أنني كنت في تلك المرحلة شيعيا من صدري وما فوق. وغير ذلك يتكون من فتات المصادر الأخرى“، في إشارة إلى اختلاط التأثيرات الثقافيّة والدينيّة في تكوينه الشخصيّ.

العرفان والتأثيرات الشيعيّة الثقافيّة

عن قراءاته الأولى يقول سويد إنّ مجلة ”العرفان“ التي كان يُصدرها الشيخ أحمد عارف الزين في صيدا، كانت تصل إلى منزلهم ويطّلع عليها، وكانت تُعتبر مصدرًا فكريًّا مهمًّا. إضافة إلى ذلك كان لبعض علماء جبل عامل ممّن درسوا في النجف ثمّ عادوا إلى لبنان وأسّسوا مدارس علميّة وفقهيّة في الجنوب، تأثير كبير في المنطقة.

لم ينقطع محمود سويد عن كفرحمام، فبقيت حاضرة في الإجازات الصيفيّة، وهو يروي أنّهم كانوا عندما يصلون إلى مفرق سوق الخان (السوق الشعبية الاسبوعية للمنطقة)، يُكملون سيرًا على الأقدام إلى كفرحمام. كانت الرحلة تستغرق قرابة الساعة سيراً على الأقدام وتُقدّر بنحو ستة كيلومترات، وفق ما يروي سويد.

كفرحمام سبعينيات القرن الماضي
نهاية تدريجيّة للمرحلة الصيداويّة

عن رحلة العودة إلى صيدا، يروي محمود أنّهم كانوا يغادرون القرية عند الفجر، فيبدأون السير في العتمة، وعند الوصول إلى راشيّا الفخّار يبدأ الفجر بشقّ خيوطه الأولى، وصولًا إلى طريق حاصبيّا- مرجعيون، كي ينتظروا مرور إحدى السيّارات (القليلة جدًّا) التي تنقل الركّاب إلى صيدا، وغالبًا ما يكونون محظوظين إذا صعدوا في أوّل سيارة تعبر.

” بقيت في صيدا حتّى نيلي شهادة البروفيه نهاية المرحلة التكميلية″، يقول سويد،” ذهبت صيفًا إلى كفرحمام، ثمّ ذهبت بعد ذلك مباشرة الى بيروت. نعم، كنت لا أزال في صيدا خلال نكبة فلسطين، ولكنّني قضيت صيف ذلك العام في كفرحمام“.

بيروت.. الدراسة والتحوّلات السياسيّة

فتح الانتقال إلى بيروت مرحلة جديدة في حياة محمود سويد، وفي مختلف النواحي التعليميّة والمهنيّة والسياسيّة. بداية التحق بثانويّة الطريق الجديدة الرسميّة في بيروت، وذلك في أوائل الخمسينيّات (1952–1953). ترافق ذلك مع نشاطه السياسيّ حيث كانت بيروت تزدحم بالأفكار والنضال وتشكُّل الأحزاب، وصعود الوعي القوميّ واليساريّ وقضيّة فلسطين ومشاريع الوحدة والأحلاف وغيرها من القضايا التي ألهبت الشارع العربيّ وأدّت إلى كثير من الأحداث الكبرى، أبرزها صعود التيّار الناصريّ والفكر القوميّ وغيره.

كان سويد قد انخرط في ”حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ“ العام 1958، خلال ما عُرف بـ ”ثورة الـ 58″، حيث وجد في هذا الانتماء امتدادًا لقناعته العروبيّة. تولّى مسؤوليّة نشرة الأخبار في إذاعة الحزب التي أعدت قاعة من “ثانوية الطريق الجديدة”. ووفق قوله إنّه في تلك المرحلة، لم يكن على الساحة سوى خيارين: البعث العربي الإشتراكي أو حركة القوميّين العرب، فاختار الأوّل.

” تركنا حزب البعث بعد انقلاب العام 1961 العسكريّ في سورية، وذلك مع انكشاف تآمر قيادة الحزب في دمشق على الوحدة مع مصر وانضمامها إلى الحركة الانفصاليّة، عقدنا مؤتمرًا لحزب البعث اللبنانيّ وناقشنا ما أقدم عليه الحزب في سورية وكان ذلك بداية سيطرة الضباط على قيادة الحزب بداية في دمشق ثم في بغداد. كنتُ آنذاك عضو قيادة منطقة بيروت، وبعد النقاش الصاخب، أعلنا – وكنا أكثر من نصف الأعضاء اللبنانيين الموجودين في القاعة، الاستقالة من الحزب”.

صورة جامعه لرجالات كفرحمام أوائل الستينيات في ذكرى الاستقلال في دار الجامع (من أرشيف الاستاذ غسان علاء الدين).
من البعث فندوة العمل الوطنيّ

عن مرحلة ما بعد خروجه من حزب البعث يقول سويد: ”في السنوات الأولى من الستينات عرفت، أنّ الرئيس (الراحل) سليم الحصّ أطلق مبادرة أسماها ‘ندوة العمل الوطنيّ‘ ذات طابع ثقافي وسياسي” وفي تلك المرحلة كان أهم ما يقلقني ويشغل تفكيري، هو التشظي الذي أحدثته الحرب الداخلية من انقسام حاد في صفوف نخب المثقفين اللبنانيين العلمانيين على جانبي بيروت التي قسمتها الحرب الى غربية وشرقية. والسؤال الذي كان يلحّ عليّ: كيف يمكن اعادة اللحمة بين نخب المثقفين في البيروتين: الشرقية والغربية؟ وتصورت أن الحص، العلماني، قد يشكل مظلة محترمة وجدية لبدء العمل في هذا المجال. انضممت الى الندوة، وأمضيت فيها نحو ثلاث سنوات، كانت كافية لاصابتي باليأس والخيبة. فقد كان الحص يريد من الندوة نشاطاً ثقافياً فقط وينأى بالندوة عن العمل السياسي. فقدمت استقالتي وانسحبت.

ويتابع ”في ما بعد، بدأتُ العمل مع نوّاف سلام وآخرين أذكر منهم من بقوا في الذاكرة (أنطوان حداد، بول أشقر، جو باحوط، وغيرهم) وعقدنا عدة لقاءات ونقاشات لم نصل بعدها الى تصور واضح لبدء عمل سياسي جديد، فتوقفت اللقاءات وانصرف كل منا الى اهتماماته.

تأسيس “لبنان الاشتراكيّ”

صداقتي مع فواز طرابلسي قديمة. وكان قد ترك حزب البعث، وتابع دراسته في الجامعة الاميركية. أما وضاح شرارة فكان قد ترك حزب البعث أيضا. وكانت النقاشات بيني وبين فواز قد انقطعت عندما غادر الى بريطانيا لاكمال دراسته ثم حصلت لقاءات مع وضاح.

وكان فوزا ووضاح بدءا ايضا لقاءات ونقاشات مع آخرين. وقد تبلورت نواة التنظيم الجديد، واسمه “لبنان الاشتراكي” من الثلاثة وآخرين اذكر منهم كريستيان غازي وزوجته الممثلة المسرحية مادونا، ووجيه كوثراني، وزوجة وضاح (فتاة لبنانية يهودية) ووداد شختورة، وآمل ألا اكون نسيت أحداً. وكنا نعقد اجتماعات اسبوعية، وبدأت اللقاءات تثمر انضمام اشخاص، معظمهم من جنوبي لبنان، وبعد نقاشات في حلقات تثقيفية تضم كل منها عدة اشخاص يديرها أحد أعضاء الخلية الرئيسية، وأطلقنا عليها اسم “لجنة التنسيق”.

 “كنّا ثلاثة، أنا ووضّاح شرارة وفوّاز طرابلسي”، يقول سويد، مستعيدًا جذور ما سيصبح لاحقًا نواة تنظيم “لبنان الاشتراكيّ”.

طلائع المنتسبين الجدد

عن النواة الأولى لـ ”لبنان الاشتراكيّ“، يقول سويد ”كان كريستيان غازي، المخرج السينمائيّ المعروف، وزوجته مادونا غازي، الممثلة المسرحية، ووداد شخنورة. يتذكّر سويد ”في أحد الاجتماعات، جاء وَضّاح إلى الاجتماع وقال: أحمل خبرًا مهمًّا! ثلاثة من أبرز أساتذة الجامعة اللبنانيّة وافقوا على الانضمام إلينا، بعد لقاءات ونقاشات وهم: أحمد بيضون وحسن قبيسي أما الاسم الثالث فقد نسيته وكان على الأرجح نصير مروة أو وجيه كوثراني. وقد انضموا الى اللجنة المؤسسة في الاجتماع التالي لها“.

يتابع سويد: ”بدأنا بالتحرّك في مناطق الضاحية الجنوبيّة والنبعة وبرج حمّود، وكان المنتسبون الأوائل من معلمي المدارس الرسمية وبعض المهن المتواضعة. أنشأنا حلقات تثقيفيّة عدّة. أما اجتماعات الخلية الرئيسية الدوريّة فكانت تعقد في منزل وضاح أو منزلي، أو منزل فوّاز“.

آلية التنظيم

اكتفينا باطلاق اسم “لجنة التنسيق” على المجموعة المؤسسة ولم نلجأ الى الاسماء الكبيرة: اللجنة القيادية، او “المكتب السياسي“ وغير ذلك مما كان رائجا تلك الايام.

يضيف سويد ”في مرحلة لاحقة، بدأنا بإصدار نشرة دوريّة. في البداية، كانت تصدر شهريًّا، ثمّ صارت نصف شهريّة. وللأسف، خلال الاجتياح الإسرائيليّ لبيروت، كنتُ قد نقلتُ أرشيف النشرات والوثائق إلى منزل أهل زوجتي، حيث اعتقدتُ أنّه سيكون آمنًا. لكن عندما عدتُ لأسترجع الأرشيف، تبيّن أنّه وُضع في سقيفة رطبة. تسرّبت المياه إليه وأتلفته بالكامل. تعفّن الورق، وضاع بذلك أرشيف ”لبنان الاشتراكيّ“ الذي جمعته. كنا جميعا نحمل أسماء مستعارة. وكنت والرفيق فواز الاسمين العلنيين: كنت صحافيا في مجلة الأسبوع العربي الاسبوعية، وكانت تدخل الى جميع البلاد العربية، وكنت معروفا ولا يمكن اخفاء اسمي الحقيقي وكان فواز معروفا ولا يمكن أيضا اخفاء صفته. ولذلك كنت ممثل التنظيم في اجتماعات الاحزاب الوطنية كما كنت ممثل التنظيم في المناسبات الخطابية العامة“.

الاندماج

عن مرحلة الاندماج بين ”لبنان الاشتراكيّ“ و“ منظّمة الاشتراكيّين اللبنانيّين“ يحكي سويد: ”تواصل محسن إبراهيم عن منظّمة الاشتراكيّين اللبنانيّين مع وضاح وفواز وطلب الاندماج بين المنظمة ولبنان الاشتراكي. وعرض الأمر على لجنة التنسيق فلم تكن متحمسة لذلك. ثم بعد اجتماعات كثيرة مع محسن تم الاتفاق على فترة اختبار أهم ما فيها تشكيل لجنة من لبنان الاشتراكي للاشراف على دورية ”الحرية“، التي تملكها وتصدرها منظمة الاشتراكيين اللبنانيين.

وقد شارك في الاشراف على الحرية فواز ووضاح وأحمد بيضون ومحمود سويد وحسن قبيسي وآخرون لا أذكر اسماءهم. وقبل الاندماج وزعت الموضوعات التي سيتم مناقشتها قبل الاندماج ثم يعقد المؤتمر الذي يناقش هذه التقارير التي ستشكل سياسات التنظيم الجديد. وعهد الى اللجنة التي تألفت من فواز ومني عن لبنان الاشتراكي وسمير فرنجية عن المنظمة، وكان موضوع التقرير الذي سنعالجه ”سياسة التنظيم العربية“. عقد مؤتمر الاندماج في اواخر عام 1971. وفي نهايته اعلن ولادة ”منظمة العمل الشيوعي“ التي تضم أعضاء التنظيمين.

(يتبع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى