مُعاش

مشروع “الكواخ” السياحي في الهرمل يحتضر..والردح لإنماء المنطقة ينتعش!!

تحقيق وتصوير عبير شمص

في الوقت الذي يكثر فيه الردح على الأوضاع الاقتصادية السيئة في منطقة بعلبك الهرمل، والخطاب الإنشائي والفارغ من اي محتوى تنفيذي وعملاني للنهوض بها إنمائيا، هناك، أمام أنظار الرادحين والخطباء وأصحاب الشعارات ذات الطنين الشعبي، تجربة استثمارية فريدة تحتضر، من دون أن تمتد يد لمساعدتها للوقوف من جديد، تجربة توّسع من قاعدة الاقتصاد النظيف في المنطقة، وتعيد لأهاليها “الكوتا” الشرعية من الدخل الوطني، هذه التجربة اسمها مشروع الكواخ السياحي. ومن هنا الحكاية:

البعد في الجغرافيا عن العاصمة بيروت إلى تلك المنطقة النائية الواقعة على الحدود اللبنانية السورية في أقصى الزاوية الشرقية الشمالية للبنان لا يعني بُعداً مكانياً فقط، فوصولك إلى قرية الكواخ في قضاء الهرمل سيشعرك أنك ابتعدت في التاريخ أيضاً. كل شيء هنا يوحي بأن الماضي لا زال يعشش في كل تفاصيل الحياة، من البيوت التاريخية التي لا تزال تحافظ على الطراز القديم من العمارة والتراث والأصالة اللبنانية إلى نمط الحياة وتفاصيلها وصولاً إلى الطعام والتقاليد والعادات.

قرية الكواخ التي تسترخي وتبتعد في ذلك السفح بين ثلاثة جبال ليست إسماً فقط، بل هي إسمٌ على مسمى، فالقرية التي ليس لها سوى طريق واحد يؤدي إليها هي عبارة عن بيوت حجرية تشبه إلى حدٍ بعيد البيوت التي سُميت باسمها، وهي جاءت نتيجة جهود قام بها الأجداد بأن اجتمعوا وتعاونوا ليثمر تعاونهم قرية متكاملة الأوصاف. كان كل شخص منهم يتكفل بتأمين مجموعة من الأحجار يتراوح عددها بين ١٠ و١٢ حجراً لبناء غرفة،  فكانت النتيجة هذه الغرف التي نراها اليوم تنبض تراثاً وتاريخاً من خلال الأثاث العربي البسيط المفروش بالبسط والقش أو اللباد. والسقوف المصنوعة من خشب وجذوع اللزاب والسنديان يسندها عامود خشبي يتموضع في الوسط ويتعارف عليه ب “فرد البيت”. أما السطح فهو من الطين الممدد الذي يُحدل في أوائل فصل الخريف كي لا تتسرب إليه مياه الشتاء إلى الداخل. ولكي يكتمل المشهد لا بد للدواخين الطينية المخصصة للتدفئة، إلا أن تتموضع في تلك الزاوية لتصبح موقدة نموذجية تزيد المكان دفئاً وجمالاً، تزيدها الكواير والخوابي والأبواب والشبابيك الخشبية والإنارة التقليدية على ضوء السراج أو قنديل الكاز تألقاً وسحراً.

بيوت «الكواخ» التي يستوطن في كل زاوية من زواياها تاريخ عمره مئات السنين ويكاد يغيب عن أذهان أهالي المنطقة، تحوّلت على مدار سنوات (٢٠٠٨-٢٠١٠) إلى مقصداً للسيّاح والزوار يؤمونها من كل مكان بهدف الراحة والاستجمام والعودة إلى التراث. مشهد «الكواخ» اليوم مختلف كلياً عن تلك السنوات، فلا سيّاح ولا زوار فقط أماكن خاوية يصفر فيها الريح وتتآكلها خيوط العنكبوت. بعض هذه البيوت لا زال على حاله، والبعض الآخر أصبح بحاجة إلى ترميم وإعادة تأهيل، والسبب في ذلك هو الأزمة السورية التي بدأت في العام ٢٠١١ وكان لها بالغ الأثر على هذا النوع من السياحة التراثية شأنها شأن الوضع السياحي العام الذي عانى ويعاني تراجعاً طيلة هذه الفترة.

عن وضع «الكواخ» اليوم تحدثت السيدة صفاء الهق لـ «مناطق نت» فقالت «إنّ التفجيرات التي تعرضت لها مدينة الهرمل ومحيطها جعل المنطقة غير آمنة، وهذا انعكس سلباً على حركة السياح والزوار». وتؤكد الهق أن الكثير من الأصدقاء والزبائن الذين كنا على تواصل معهم كانوا يعربون عن رغبتهم بزيارة المنطقة والكواخ لكن الظروف الأمنية كانت تقف عائقاً في وجه تلك الرغبة».

تضيف الهق «إضافة إلى التفجيرات، كان لـ «الكواخ» حكاية أخرى مع الصواريخ التي كانت تستهدف المنطقة من وقت لآخر حيث سقط عدداً منها في قرى وبلدات مجاورة للكواخ منها سهلات الماي والقصر وحوش السيد علي، وهذه شكلت سبباً إضافيا رادعا أمام توافد السياح والزائرين »..

الكواخ التي تبعد حوالى ١٥ كلم فقط عن الحدود اللبنانية _السورية شهدت العديد من المعارك مع التكفيريين خلال السنتين المنصرمتين،  وعاشت هذه المعارك بكل تفاصيلها لسببين الأول تواجدها في بقعة جغرافية مستهدفة من المجموعات التكفيرية والثاني أن جزءاً من أهالي الكواخ كانوا من سكان المناطق الحدودية وكان لهم مصالح واراضٍ ومزارع للمواشي لا سيما الأبقار هناك، حتى أن بعضهم استشهد على تلك الحدود أثناء المعارك مع التكفيريين. عانت «الكواخ» الكثير وعاشت مأساة حقيقية لا سيما أنها فقدت العديد من أبنائها سقطوا في تلك الحرب، حيث بلغ عددهم ١٢ شهيداً، الأمر الذي حوَّل أجواء الفرح التي كانت سائدة إلى أجواء حزن.

أين كانت وكيف أضحت؟…

بيوت «الكواخ» التي كانت تعج بالزائرين والسيّاح ويقصدها العرسان  لقضاء الوقت المميز، تحوّلت اليوم إلى قرية أشباح.  لقد كان أهالي البلدة يقيمون الاعراس التقليدية على مدار ٧ أيام، يتخللها زفة بدوية للعروس وحنة للعريس بالإضافة إلى دق المنجيرة والربابة والموسيقى التقليدية وذلك في سهرات ليلية وأجواء فكاهية. لكن للأسف أصبحت هذه البيوت اليوم تفتقد للضيوف والزائرين من جهة، وتفتقد لأجواء الفرح والسعادة من جهة أخرى.

بيوت «الكواخ» اليوم  بحاجة إلى إعادة تأهيل وبعضها بشكله الحالي غير صالحٍ للسكن، لا سيما بعد مضي ما يقارب السبع سنوات على توقف العمل والحركة السياحية فيها. فالبلدة التي تعتمد بشكل أساسي على الحركة السياحية التراثية تعاني اليوم شللاً عاماً في ظل غياب الدولة والوزارات المعنية والسلطات المحلية من بلديات واتحاد بلديات. وفي هذا الإطار تقول الهق «نحن لا نوفر أي جهد في جمعية السنديان مع المنظمات الدولية من أجل إعادة العمل في القرية وتحسين القطاع السياحي خصوصاً أن التعاونية التي كانت ترعى تلك الأنشطة توقفت عن العمل وهذا أدى إلى خسارة المشاريع التنموية التي كانت توفرها الجمعية وبالتالي إلى انقطاع مورد رزق العديد من الأهالي لا سيما فيما يتعلق بالمنتوجات الغذائية أو المونة.

التعاونية بلا عمل

شكلت التعاونية في الكواخ الإطار الصالح للعديد من المشاريع في البلدة، فمنتوجاتها كانت تتنوع بين النباتات البرية واستخدامها الطبية إلى المنتوجات الغذائية التقليدية كالكشك والمكدوس، المنتوجات البلدية المعتمدة على الزراعة (زراعة القمح) وعلى تربية المواشي (اللبن) لإنتاج الكشك وصولاً إلى مشروع الكبيس والمربيات والزيتون وزيت الزيتون وخبز التنور والصاج. هذه المنتجات تقول الهق إنها كانت موردا مهماً لأبناء البلدة، لكنها بدأت بالتراجع تدريجياً مع بدء الأزمة السورية حتى وصلت اليوم إلى حد التوقف عن العمل.

الإرادة بالعمل والنهوض بالمشروع من جديد متوفران بقوة، إلا أن إحجام السياح والزوار من القدوم إلى المنطقة لا زال العائق أمام انطلاق العمل من جديد. وفي هذا الإطار تقول الهق: « في بداية الأزمة أنتجت التعاونية حوالى طنين (ألفي كيلو) من المكدوس أي بحدود الـ ٥٠٠ مرطبان حيث تم تصريف ٥٠٠ كيلو فقط والباقي تمّ إتلافه بسبب عدم القدرة على تصريف الإنتاج». تضيف الهق: «الوضع من السوء بحيث أن النساء لم يعدن قادرات للنزول إلى بيروت بقصد تصريف منتجاتهن والمشاركة في المعارض، فالسياحة انخفضت إلى مستوياتها الدنيا والوضع الأمني يزداد سوءاً».

برسم المعنيين….

بلدة «الكواخ» الحدودية في قضاء الهرمل نموذج صارخ للإهمال وغياب الدولة ومؤسساتها، فهذه البلدة التي شكّلت خلال الفترة الماضية نموذجاً حيا للسياحة البيئية والتراثية، تعاني اليوم ما تعانيه بسبب توقف تلك السياحة التي من شأنها توفير الحد الأدنى من أسباب العيش وتمسك الناس بأرضها وعدم نزوحها إلى المدن التي تشهد نزفاً حاداً في هجرة الأماكن البعيدة إليها.

وبالرغم من أن المشروع التي كانت تعتاش منه البلدة لا يُصنف كمشروع تجاري مربح لاهل القرية. إلا أنه يُصنف كمشروع ذي قيمة معنوية وثقافية واجتماعية بامتياز للبلدة أولاً وللبقاع وللتراث اللبناني ثانياً، فهو إضافة إلى أنه يعكس الصورة النموذجية التقليدية للقرى البقاعية، يعكس أيضاً جمال القرى مع ما تختزنه من تراث تقليدي  يكاد يندثر مع ادخال الأنماط الهندسية المختلفة في منازلنا اليوم.

ما يشاهده السائح والزائر في «الكواخ» لا يشاهد مثيلاً له في أي مكان في لبنان، فهنا سيجد نفسه أمام سياحة من نوع آخر. لذلك يكتسب المشروع في «الكواخ» أهمية تستدعي من الدولة ومن الوزارات المعنية من السياحه إلى الثقافة والزراعة والبيئة ووزارة التخطيط في حال أبصرت النور، دعم هذه المشاريع التي تشكل مدخلاً جديداً من مداخيل السياحة، والتي من شأنها تعزيز هذا القطاع في المنطقة.

جريمة بلدة الكواخ القابعة في قضاء الهرمل والتي بادرت إلى هذا النوع من المشاريع الصديقة للبيئة أنها ليست في جبل لبنان وليست في متناول كاميرات الإعلاميين والصحافة، وإلا لكانت تحولت مزاراً ومحجاً. فالبلدة المتربعة في قلب الطبيعة وتشكّل نموذجاً للمحافظة على المنظومة البيئية، حافظ أهاليها على أشجارها وخصوصاً السنديان، واتفقوا فيما بينهم على عدم قطع أي سنديانة حفاظاً على الثروة الطبيعية في الوقت الذي كان فيه الأتراك والفرنسيون يقطعونه ليجعلوه فحما للقطارات، فهذا العطاء الذي قدمه أهالي البلدة لا سيما النساء منهنَّ يستحق بالمقابل التفاتة ودعم وتقدير من الدولة ومن المعنيين لهذه الجهود.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى