رصد-قديم

“معاريف”: نصرالله لا يريد النزول من الشجرة في يوم واحد ونبرته هبطت درجات عن السابق

ما زالت مقابلة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله مع محطة “الميادين” منذ أسبوع، موضع متابعة إسرائيلية، وإن كان البعض قد رأى فيها تحمل نذر مواجهة كبيرة، إلا أن ما كتبه جاك خوجي في صحيفة “معاريف” الإسرائيلية يخالف هذه التوقعات، ويقرأ بين سطورها دعوة من نصرالله لوقف نار غير معلن، والابتعاد عن استفزاز إسرائيل، حتى أنه فسر الجدارية القرآنية “أدخلوها بسلام آمنين”، على أنها رغبة من حزب الله بالسلام، وآخذا على الإعلامي غسان بن جدو “انبطاحيته” ومحاولته “انتزاع” مواقف كفاحية من نصرالله.

في ما يلي نص المقالة:

غزة، وبني غانتس، والإنقاذ في البرازيل، ومسائل مشتعلة أخرى محت من الوعي المقابلة الأولى مع حسن نصر الله منذ كشفت أنفاق حزب الله. فقد أجاب نصر الله لجمهوره كل ما وفره عليه في الشهرين اللذين غاب فيهما عن الشاشة، بل وقدم تفسيراً لصمته. «عرفت أن الإسرائيليين في حملة إعلامية»، قال في بداية حديثه، «وهم يريدون أن يجروني إليها، فقررت ألا أرد».
أما السبب الحقيقي فعرفناه بعد ذلك. ليس لنصر الله جواب قاطع على ضياع الأنفاق. ومع ذلك فقد كان النقاش فيها قليل القيمة. إذ ليس مهمًا كيف سيرد نصر الله وأي كلمات متفرجة سيجندها الطرفان لصالحهما. الأهم هو ما الذي سيفعلانه.
ثلاث ساعات وربع استغرقت المقابلة في القناة اللبنانية «الميادين»، ونصرالله استعد لها طويلاً. وأعد صفحة الرسائل لنفسه مسبقاً، وكذا بعض من التعابير أو الجمل التي استخدمها. فقد أظهر اطلاعاً على أسماء كبار المسؤولين في إسرائيل، وأثبت أنه يتابع الخطاب الجماهيري هناك. صحيح أنه لا يشاهد قنواتنا التلفزيونية، مثل صديقه المتحدث بالعبرية يحيى السنوار، ولكنه مزود جيداً بالمعلومات اللازمة.
ثلاث ساعات وربع، ولا توجد لحظة واحدة تبعث على السأم. لغة نصر الله غنية، حديثه مليء بالتفاصيل، وله سحر شخصي. فهو يعرف كيف يسيطر على مستوى الصوت. يرتفع ويهبط حيثما ينبغي، بالنبرات الصحيحة، ولا يتعب السامع. لديه حس دعابة متطور وقدرة هزء لاذعة. رجال القانون كانوا سيقولون، كإشارة تقدير، إنه مفوه. في وسعه أن يفكك مسألة ما إلى عناصرها ويضع أمام السامع جملة من الحجج المقنعة. ثمة زعيم واحد في المنطقة مزود أيضاً بهذه المزايا حين يريد. إعداد جذري، خطابية ناعمة على الأذن، ومستوى حجج عالية، اسمه بنيامين نتنياهو.
هذه المرة رأينا نصر الله آخر، تعب وشبع من الحروب. وبرقة تلميحية صد الصحافي المنبطح، الذي يرى فيه كلي القدرة وحاول أن ينتزع منه تصريحات كفاحية. علقت فوق رأسه على الحائط لوحة فيها بضع كلمات من الآية 46 من سورة الحجر في القرآن. لدى نصر الله ولدى أسياده الإيرانيين لا يظهر شيء دون قصد. وبالتأكيد ليس آية عظيمة المعنى من الكتاب المقدس. في سورة الحجر يجري الله بجلالة عظمته بحثاً في الأجر والعقاب. فالسائرون خلف الشيطان يعدهم بجهنم، ولمن يخافون السموات جنة عدن. «ادخلوها بسلام آمنين». فإن عبارة «ادخلوها بسلام آمنين» إعلان الرغبة في السلام وفي السكينة لدى الشيعة، تقال في أوقات الاضطراب، حين يطلب المؤمن لنفسه الهدوء. والشيعي الذي يتبنى هذه العبارة يقول: «اتركني وأتركك».
لا ينبغي أن نستنتج من ذلك اأن نصر الله يعرض على إسرائيل اتفاق سلام. ولكن المقابلة كلها، إلى جانب هذه اللوحة البريئة ظاهراً، تستدعي نظرة أخرى. ربما يميل لأن يترك عادته في استفزاز إسرائيل مؤقتاً. ولكن يحتمل يقترح أكثر من ذلك، مثلاً وقف نار غير معلن.
نصر الله لا يمكنه، وربما لا يريد، أن ينزل من الشجرة في يوم واحد. إذا أبدى فجأة اعتدالاً، بينما تواظب إسرائيل تهديداتها عليه، فإنه سيشتبه به بالوهن. في أحيان، كان هذا نصر الله إياه الذي عرفناه.. فقد ذكر بأن في وسعه أن يغطي إسرائيل كلها بالصواريخ، وأكد أن لدى رجاله خطة لاحتلال أجزاء من الجليل. وعلى عادته واصل وحاول دق أسفين بين مواطني إسرائيل وزعمائهم. في الماضي سجل نجاحاً، ولكن عقيدته تقادمت، ونحن أيضاً تعبنا قليلاً. أنتم، مواطني إسرائيل، قال، من الأفضل لكم أن تخبروا نتنياهو ألا يمس بصواريخنا الدقيقة. وهو يقصد تلك الصواريخ المتقدمة، القادرة على أن تضرب بمسافة عشرة أمتار عن الهدف. تدعي إسرائيل أنها دمرت هذه الوسائل التي حاول حزب الله تطويرها بسلسلة هجمات ذكية. وتلوى نصر الله على عادته: صاروخ دقيق يطلق نحو قاعدة عسكرية، كما ادعى، سيمس بها، ولكن صاروخاً غير دقيق يطلق إليها، سيفوت الهدف ويمس بحي مجاور. والاستنتاج، كما فرح، من الأفضل لكم، أيها الإسرائيليون الأعزاء، أن نحوز صواريخ دقيقة.
وفي تباهٍ بقدراته العسكرية لا يوجد الكثير من الجديد. هذه استراتيجية تبناها نصر الله قبل سنوات كي يخلق إحساساً بميزان رعب تجاه إسرائيل. الجديد أن نبرته في المقابلة نزلت عدة درجات عما عرفناه. نحن لا نريد حرباً، هو يقول، والوسائل العسكرية التي بحوزتنا هي جزء من خطة دفاعية. زملائي في الإعلام بلغوا أنه هدد بمهاجمة تل أبيب. هذا ليس دقيقاً. الصحافي غسان بن جدو، المحبوب لنصر الله، نزع منه هذا التعبير. فقد سأله، هل ستكون تل أبيب واردة. فتلوى مرة أخرى وقال «عند وقوع الحدث، كل شيء ممكن». ذات مرة كان يرد بالإيجاب على الفور، أما اليوم فيخشى التعهد، يعرف أن هجوماً على غوش دان من شأنه أن يوقع عليه مشكلة. نحو ساعة تحدث الاثنان عن كشف الأنفاق وآثاره. حاول نصر الله أن يقلل من قيمة الإنجاز الإسرائيلي. بداية قال إنها قديمة جداً (واحد منها على حد قوله، حفر قبل 13 سنة). هذه حجة ضعيفة، استخدمتها حماس قبله بعد أن انكشفت الأنفاق في القطاع. وعلى حد نهجه هناك طرق أخرى لاحتلال مناطق من الجليل، والانفاق ليست الطريق الوحيد. بعد ذلك لذع نتنياهو على كشفه أن حزب الله خطط لاجتياح الجليل عبر الأنفاق. فقال: «لقد أدخل الخوف والرعب في قلب كل المستوطنين في شمال فلسطين المحتلة (سكان الجليل). وهكذا منحنا خدمة جيدة في الحرب النفسية».
وهكذا واصل زعيم حزب الله بسط حجج الدفاع، والسامع يتساءل بينه وبين نفسه لماذا يشعر زعيم واثق جداً بنفسه بحاجة لأن يدافع عن نفسه بلا انقطاع. فلو كان يرى في كشف الأنفاق موضوعاً يؤبه له فمن المتوقع منه أن يحل المسألة ببضعة أقوال واثقة ويواصل إلى الأمام. ولكن كلما حاول إظهار عدم اهتمامه كشف أنه مهتم أكثر.

كان مشوقاً أن نسمعه يذكر آيزنكوت المرة تلو الأخرى، رغم أن رئيس الأركان الـ 21 لم يعد في المنصب. ولم يذكر اسم كوخافي حتى ولا مرة واحدة. ولكنه وجه له التعبير الأهم. كان هذا تحذيراً من مواصلة الهجمات الإسرائيلية في سوريا. «في وقت ما ربما يتخذ قراراً بمعالجة مختلفة للهجمات الإسرائيلية في سوريا»، قال نصر الله. في وقت ما؟ ربما؟ نصر الله مع الخطابات الملتهبة، ومع التهديدات المباشرة، ومع الثقة بالذات التي لا تهتز. ما الذي يمنعه من أن يقول إن هذه الهجمات من الآن فصاعداً ستعالج بشكل مختلف. وعندها سـأله الصحافي هل ستهاجمون تل أبيب؟ أجاب بما أجاب.
بدأت هذه المقابلة بتصريحات الصحة («لا أعاني من أي مشكلة صحية») وانتهت بالكيلوغرامات الزائدة («كنت نشيطاً، وفقدت من وزني»). وعلى عادة نصر الله فإنه يتوجه إلى ثلاث جهات؛ إلى الجيش الإسرائيلي، ومواطني إسرائيل، وسكان لبنان. وأحياناً يتحدث إلى الدول العربية أو القوى العظمى الغربية. أما في منتهى السبت ففعل هذا بقدر أقل. قال للجميع هذه المرة، الحرب ـ ليس الآن.
نحو ثلاثة عقود وهو يترأس المنظمة الشرق أوسطية الأكثر كرهاً من الأنظمة والدول. يكرهها اليهود والعرب والعواصم في الغرب. إذا اعتقدتم أن كل العالم ضدنا، نحن دولة إسرائيل، فجربوا أن تكونوا للحظة حسن نصر الله. يخرج من معركة واحدة فيجد نفسه في أخرى، وفقد معظم رفاقه في الطريق، وحتى ابنه. مواجهاته ليست نزاعات حدود. هي حروب وجود. من المفاجئ أن الموت لم ينله.
«قبل بضعة أسابيع دخلت إلى الستين»، ذكر نصر الله في بداية المقابلة. وفي السنوات الأخيرة أصبح جداً. إذا ما اضطر إلى أن يخرج إلى معركة أخرى، فسيعرف كيف يفعل ذلك. ولكن زعيم حزب الله في المقابلة مع قناة «الميادين» لم يبحث عن النار والكبريت. أراد أن يعود إلى الديار بسلام.

المصدر: القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى