رصد-قديم

من يدفع ثمن هيكلة الدين العام: المصارف أم سلسلة الرتب والرواتب؟

أعدّت مجموعة “جولدمان ساكس” المصرفية الأمريكية تقريراً، عن سيناريو إعادة هيكلة الدين العام في لبنان، استبعدت فيه أن تكون هذه العملية وشيكة، إلا أنها أصبحت قيد التداول، وأشار التقرير إلى أنها، إن حصلت، فمن المتوقع أن تصب في مصلحة المصارف المحلية.

ونقل “بلومبيرغ” عن الخبير الاقتصادي بشؤون الشرق الأوسط في مصرف “جولدمان ساكس”، فاروق سوسة، الذي قال إن المجموعة المصرفية لا ترجّح إعادة هيكلة الدين قريباً، لكنها بدأت بالفعل تهتم بالمدى المحتمل لتعافي المستثمرين عندما يتأرجح أحد أكثر بلدان العالم مديونية على شفير أزمة مالية.

بموجب السيناريو الأساسي لـ”غولدمان”، يقول سوسة إن المستثمرين الأجانب سيحصلون على 35 سنتاً على الدولار، لكنه يرى أن أي إعادة نظر في الديون ستضع المصارف اللبنانية في أولوية الاهتمام، بمعنى أن “قيمة الاسترداد الفعلية” ستختلف اختلافاً كبيراً لاحتواء الضرر، علماً أن الدائنين المحليين هم بين أكبر أصحاب الديون السيادية اللبنانية.

في تقريره، يستبعد سوسة أن يجعل لبنان ديونه مستدامة من خلال التكيّف المالي، لأن ذلك يتطلب خفضاً حاداً لأسعار الفائدة أو نمواً اقتصادياً كبيراً، في حين أن هذين الشرطين “خارج سيطرة صانعي السياسة إلى حد بعيد، ويعتمدان كثيراً على التطوّرات الاقتصادية والسياسية الإقليمية”.

ومن بين أبرز التحديات التي يشير إليها التقرير بالنسبة إلى الوضع في لبنان:

ــ بلغ متوسط ​​النمو الاقتصادي نحو 1.6% في الفترة بين عامَي 2011 و2018، بحسب بيانات “صندوق النقد الدولي”، مقارنة بنسبة 7% في فترة السنوات السبع السابقة.

ـ تحول الخلافات السياسية دون تشكيل حكومة جديدة برئاسة الرئيس المكلف سعد الحريري منذ مايو/أيار الماضي.

ــ أدت استقالة الحريري المؤقتة قسراً أثناء وجوده في السعودية أواخر عام 2017، إلى تقويض ثقة المستثمرين بالاقتصاد.

ــ تباطأ نمو الودائع، علماً أن نموّها هو مفتاح البنوك المحلية لشراء ديون الحكومة.

ويلاحظ التقرير أنه ابتداءً من عام 2016، تم تشجيع المقرضين التجاريين على سحب ودائع جديدة ووضع أصولهم الأجنبية السائلة لدى “مصرف لبنان” (المركزي).

في التقرير المؤرخ في  كانون الثاني، يقول سوسة إن العلاقة “التكافلية” بين السلطات والبنوك تُعقّد عملية تخفيف أحد أكبر الديون عبئاً في العالم، مشيراً إلى أن “من المحتمل أن يتم تصميم أي إعادة هيكلة محتملة بطريقة تقلل من التداعيات على المصارف المحلية”.

ومع أن لبنان يتأرجح منذ مدة طويلة على حافة أزمة مالية واقتصادية، فإنه لم يتأخر يوماً عن سداد الديون المترتبة عليه رغم حرب أهلية دامت 15 عاماً واعتداءات إسرائيلية متكررة عليه وحرب مدمّرة في جارته سورية كلفت اقتصاده 18 مليار دولار.

وقال سوسة إن النظام المالي في لبنان ربما تكون لديه سيولة كافية من العملات الأجنبية لتمويل العجز “للسنتين المقبلتين”، غير أن المستثمرين الأجانب لا يستبعدون احتمال أن يكون الوقت الراهن مختلفاً، لا سيما بعدما حذر وزير المالية علي حسن خليل الشهر الماضي من أن “الأزمة بدأت تتحوّل اليوم من أزمة اقتصادية إلى أزمة مالية”.

ويُقدّر “جولدمان ساكس” انكشاف المقرضين المحليين على الدين الداخلي وسندات اليوروبوند بنحو 55 تريليون ليرة لبنانية تعادل 36.5 مليار دولار (الدولار=1507.5 ليرات سعراً وسطياً)، أي ما يناهز ضعف القاعدة الرأسمالية للنظام المصرفي مجتمعاً. إلا أن “العامل الأهم الذي سيُحدّد نتيجة أي إعادة هيكلة للديون، يكمن في العلاقة بين السلطة السياسية والقطاع المصرفي”، على حد قول سوسة.

من جهتها، اعتبرت صحيفة “الأخبار” في عددها لهذا اليوم، أن الحديث عن إعادة هيكلة الدين العام أمر متداول بين المسؤولين والخبراء. هناك أكثر من جهة تعمل على هذه الهيكلة، من دون أن تسرّب أي معطيات عنها، لا في الشكل ولا في المضمون. بعض المصرفيين أعربوا عن رغبتهم في المشاركة في عملية التصحيح، وبعضهم الآخر رفض بهدف تحميل «سلسلة الرتب والرواتب» كلفة الانفجار المالي. تقرير «غولدمان ساكس» يأتي في إطار الصراع على توزيع كلفة التصحيح. يستخدم المصرف المذكور معطيات واقعية للتهويل. لعبة محسوبة ضمن المصالح المشتركة بين المصارف المحلية والمصارف الأجنبية. فالمصارف اللبنانية ومصرف لبنان يحملون سندات يوروبوندز بما لا يقل عن 27.5 مليار دولار، وهناك 5 مليارات دولار محمولة من قبل صناديق أجنبية (هذه الأرقام صادرة عن مصادر في مصرف لبنان). هؤلاء هم في غالبيتهم زبائن «غولدمان ساكس». أبرزهم صندوق «بلاك روك» الذي يحمل سندات يوروبوندز بقيمة تصل إلى مليار دولار، أي إنه وحده يمثّل 20% من قيمة السندات المحمولة من قبل أجانب. «بلاك روك» زار لبنان في منتصف تشرين الأول الماضي ضمن جولة نظّمها «غولدمان ساكس» لاستطلاع الوضع المالي في لبنان، ولإقناع زبائنه باستثمار المزيد من الأموال في السندات اللبنانية. لا أحد يعلم إذا تمكن هذا المصرف من إقناع زبائنه بهذا الاستثمار، لكن المعروف أنه يستند إلى تصريح وزير المال للتحذير من نتائج عملية التصحيح. «غولدمان ساكس» هو أحد أطراف اللعبة، وهو «يصارع» باسم من يمثّلهم من صناديق أجنبية ومن مصارف لبنانية يتعامل معها أيضاً، لتقليص حصتهم من فاتورة التصحيح. «غولدمان ساكس» لا يختلف عن المصارف اللبنانية التي حققت الكثير من الأرباح على حساب الخزينة العامة وذوي الدخل المتوسط والمتدني، وتسعى اليوم للفوز بإعفاء من دفع فاتورة التصحيح وتحميلها أيضاً للفئة نفسها التي تحمّلت كلفة تضخّم ثروات أصحاب المصارف وكبار المودعين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى