مختارات

ناهد فران في “فودو”.. لبنانية تبحث عن الله الإفريقي في إيمانها..
زهير دبس

إلى أفريقيا تأخذنا هذه المرة ناهد فران، وهناك تخيط روايتها الجديدة «فودو». والأخيرة ديانة تُعتبر من أشهر الديانات التي يعتقد المُؤرخون أنها نشأت في أفريقيا منذ بداية التاريخ الإنساني، والبعض يقول إنها تعود إلى أكثر من عشرة آلاف سنة. لكن هناك نظريات أخرى تُعلّل أسباب خروج هذه الديانة إلى الاحتلال الأوروبي لأفريقيا وبدء تجارة العبيد، والهدف من ذلك تمزيق المعتقدات الدينية للأفارقة لتحويلهم من جماعات إلى أفراد يسهل السيطرة عليهم. كلمة «فودو» بحد ذاتها مشتقة من كلمة «فودون» والتي تعني الروح وانتشرت هذه الديانة التي نشأت في الكاريبي سريعا لتشمل دول أفريقيا كافة، مما ساهم في نجاح هذا المذهب الجديد. الإله في معتقداتهم يتمثل في أرواح الأجداد والآباء الذين ماتوا وهذه الأرواح قادرة على مساعدتهم أو حتى معاقبتهم حسب ما يتصرفون.

إلى أين تريد فران أن تأخذنا مع «فودو»؟ وما الذي أرادت أن تقوله من خلال روايتها؟. هل تريد أن تتحدث عن تلك الديانة التي يكفي الضغط على محرك البحث «غوغل» لكي نعرف عنها؟ أم أن شيئاً آخر أرادت أن تقوله فران واختارت له عنوان «فودو». كل ذلك سيتكشّف من خلال الغوص في الرواية التي تنشطر إلى قسمين متداخلين يسيران بشكل منفصل إلى أن يلتقيان في نهايتها.

بناءً لوصية جدتها، تقدّم نور استقالتها من عملها في بيروت في العام ٢٠١٨ وتحزم حقائبها متجهة إلى أفريقيا وتحديداً إلى سيراليون وعاصمتها فريتاون، وذلك بحثاً عن جذورها هناك كما أوصتها الجدة نانسي أو «لوا» التي توفيت قبل سفر نور.
عند وصولها إلى فريتاون في سيراليون تلتقي نور بالدكتور آدم، الطبيب الإفريقي الذي تستعيد معه خلال جلسات طويلة علاقته بجدتها نانسي الأفريقية الجذور لناحية الأم، واللبنانية لناحية الأب. وهذا يشكل شطراً من الرواية فيما يسرد الشطر الآخر المتداخل معه حكاية طونكو وهو الجد الأعلى لنانسي جدة نور، ومن خلاله التأريخ لنشوء مدينة الحرية «فريتاون» عاصمة سيراليون.

بالرغم من أن رواية «فودو» نُسجت بخيوط أفريقية خالصة، من الغلاف حيث اللوحة والإسم وصولاً إلى أدق التفاصيل، إلا أن أسلوب فران هو نفسه كما عهدناه في روايتيها السابقتين «زوايا النسيان» و«رحمة»، وهو أسلوب نستطيع أن نطلق عليه بحق «السهل الممتنع». يتدفق سلساً عذباً ويحمل فائضاً في منسوب الأحاسيس والمشاعر لدى المؤلفة وهو ما نراه واضحاً في روايتها «فودو». لكن ذلك لا يعفيها من بعض الملاحظات التي أثقلت كاهل روايتها، ومنها إغراقها بالكلاسيكية والمثالية وهو ما كان يجب أن تتخفف منه الكاتبة خدمة للنص والموضوع.

ما تطرقت إليه فران في «فودو» من خلال الاستعادة لقصة الحب العاصفة التي جمعت نانسي بالدكتور آدم، مجموعة مواضيع منها الحب الذي يبقى عابراً للأعراق والأديان والجغرافيا وعصياً على النسيان: «سألت هل يبيعون النسيان لأشتريه؟ هل للنسيان دروب ومنعطفات لأعبرها؟ علّني أرتاح وأريحها… ولكنني لم أجده.». وفي موضع آخر: «من يحبك ينسى لون فستانك ولكنه لن ينسى كلماتك، قد ينسى تسريحة شعرك ولكنه لن ينسى بريق عينيك، التفاتة وجهك، حركة يديك، سلامك، رعشة جسدك، وخفقان صدرك… من يحبك قد ينسى لون الحائط، وشكل المكتب، ولكن لا يمكن أبداً، ومن المستحيل أن ينسى اللحظة الأولى التي التقاك خلالها، اللحظة التي فتح فيها الباب ليدخل ويجدك، لحظة مدّ يده للسلام لامساً أناملك معرّفاً عن نفسه. اللحظة التي خرجت فيها روحه لتعانق روحك وتقبلها…».

إلى جانب النص الحواري الذي يستحوذ على أجزاء واسعة من الرواية، كان لافتاً تركيز فران على وصف التفاصيل الدقيقة جداً في «فودو»، والتي رافقت النص في معظم سرديته، الأمر الذي يجعلك أمام نص تصويري خالص لا يحتاج سوى كاميرا ومخرج وممثلين، لكي يتحول إلى فيلم سينمائي أو مسلسل تلفزيوني. لكن الملفت في النص أن فران صورت تلك التفاصيل بعين لبنانية – شرقية، وهو ما بدا واضحا من خلال عرضها لطبيعة العلاقات الأسرية الأفريقية أو وصفها للمنازل وأثاثها وللعادات والتقاليد وصولاً لدقائق الأمور. لا أدري إن كان ذلك مقصوداً! أم أن الكاتبة أرادت تذويب الفوارق الهائلة بين ذلك التخيل والواقع المغاير طبعاً، خدمة لموضوعها الذي يغلب عليه الطابع القيمي خصوصاً من خلال مقاربتها لموضوع الاستعمار الغربي لأفريقيا وتجارة العبيد وهذا موضوع شائك ومعقد وتعود جذوره إلى مئات وآلاف السنين وهو لا ينحصر في مكان أو تاريخ واحد. لكن ما هو مميز في الموضوع هو تسليط الكاتبة الضوء على الهجرة المعاكسة التي شهدتها تجارة العبيد من البلدان التي استعبدتهم وعودتهم إلى بلدانهم الأصلية وهو ما تستعرضه الرواية في عملية بناء مدينة فريتاون عاصمة سيراليون.

«أيتها الساحرة السمراء الأفريقية الملامح.. جدتي».. قد يكون الإهداء الذي خطته فران في مقدمة روايتها لجدتها شكل حافزاً في ولادة روايتها، تاركة بعده الخيال لكي يسترسل ويصنع رواية إفريقية الهوى والجذور مع نكهة لبنانية شكلت نقصاً في الرواية لناحية الغور في شخصية أبطالها المتصلين بها.

فران لم تعتمد سردية واحدة لموضوع واحد في روايتها «فودو»، بل اعتمدت مسارب متعددة لمواضيع مختلفة، وإن غلب عليها موضوع الحب الذي جمع بين نانسي الأفريقية اللبنانية الجذور ود. آدم الأفريقي السيراليوني.

بعد أن اكتشفت أنها حفيدة الدكتور آدم، تقف نور حائرة أمام تعدد الانتماءات التي تتنازعها، فهي ولدت لأب مسلم وأم مسيحية وجدة اعتنقت «الفودو». تتوالى الأسئلة الكبرى لدى نور عن الأديان والشر والمعتقدات والإنسان، لتخلص في النهاية إلى الإيمان بوجود خالق واحد هو الحق. وأنها الآن منتمية «إلى الخالق الصمد الأحد، هي الآن منتمية إلى الكون.. إلى عالم لا حدود له». لعل هذا ما أرادت قوله فران.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *