متابعات

نتنياهو الكذّاب..هكذا خدع أوباما

مناطق نت

وإن كانت مقالة عاموس هرئيل في هآرتس أمس تتفحص إمكانيات حدوث مواجهة حاليا، بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى، إلا أنها في جانب آخر، وهذا هو الأهم فيها، تكشف أن الاتفاق النووي (أو خطة العمل المشتركة الشاملة) الذي أبرمته على عجل إدارة أوباما في العام 2016، كان عملا احتوائيا مناسبا أقدمت عليه واشنطن وقتذاك، لوقف الضغوط الإسرائيلية عليها، بعد تمادي تل أبيب في استخدام الملف النووي وبذلها محاولات جدية لدفع إدارة أوباما إلى مواجهة عسكرية مع إيران من دون الأخذ بالاعتبار المصالح الأميركية في المنطقة بما فيها تعريض حياة القوات الأميركية الموجودة هناك للخطر.

معلومات هرئيل استقاها من مقالة لدانييل سويلمان نشرها في مجلة «تكساس ناشيونال ريفيو» الأسبوع الماضي، حيث يرصد الأخير، كيفية اعتماد تل أبيب تكتيكا مخادعا يوهم إدارة أوباما بأن إسرائيل ستقدم على توجيه ضربة عسكرية لإيران، بهدف تحفيز واشنطن على التصرف، إما أن تتولى بنفسها هذه الضربة بالنيابة عن إسرائيل أو تغطيتها سياسيا وعسكريا أو الضغط على إيران لإجبارها على التخلي عن مشروعاتها النووية.

ويقول سويلمان منذ العامين ال 2011 و ال 2012، بدأت إسرائيل الإيحاء لواشنطن بأنها تدرس القيام بهجوم آحادي على إيران بصورة جدية، وهي تأمل أن تكون ردة الفعل الأميركية هو اتخاذ مواقف متصلبة تجاه إيران مقابل أن تتمهل تل أبيب بهجومها.

قام بتمرير هذه المناورة الخطيرة كل من بنيامين نتنياهو وإيهودا باراك، ولإنجاحها حجبا عن الدائرة المحيطة بهما ما يكشف حقيقة نياتهما، ويؤكد سويلمان أنه لم يكن من السهل تأكيد أو نفي جدية التخطيط للقيام بهذا الهجوم من خلال الدوائر المقربة لنتنياهو وباراك. وبالمقابل أخذت واشنطن تهديدهما على محمل الجد، فكثفت من جهتها جهودها الاستخبارية لمعرفة كل الأمور المتعلقة به.

الحديث الإسرائيلي عن هجوم مزمع، كان الغاية منه الحصول على تعهدات أميركية قاطعة بمنع إيران من انتاج سلاح نووي، على اعتبار أن تعهدات أوباما التي سبق وأعطاها لتل أبيب لا تفي بالمطلوب. وعليه في 2011 عندما أجرت الإدارة الأميركية اتصالات سرية مع إيران بواسطة سلطنة عمان. إسرائيل سربت هذه الاتصالات بهدف التشويش عليها. «عرفنا ما يكفي من المعلومات عن الاتصالات غير المباشرة بين الأمريكيين والإيرانيين»، وقد برر باراك التسريب وقتها بالقول «قلقت جدًا من أن النغمة الأمريكية غير واضحة بما يكفي لجعل الإيرانيين يتخذون قرارًا».

لم يكن لدى الإسرائيليين ثقة بقدرة أوباما على تبديد مخاوفهم من النووي الإيراني، وبعد فوزه في ولاية ثانية في انتخابات ال 2012، ضاعفت تل أبيب من حديثها عن هجومها المرتقب على طهران، ونجحت في زرع هذه الأوهام في الإعلام العالمي، لدرجة أن الرئيس الكوبي الراحل فيديل كاسترو قال في أحد خطبه أن الهجوم هو مسألة أيام بينما الإعلام الغربي والعربي ومنه اللبناني (النهار) أخذ يحدد مواعيد دقيقة لبدء الضربة، في وقت أصر الأميركيون بإعلامهم بموعد الهجوم قبل وقوعه وإعطائهم إنذارا مسبقا، مع إيصالهم رسالة للمسؤولين الإسرائيليين، بأنا ما سيقومون به هو مضر بمصلحة الجميع.

ويقول سويلمان : “في واشنطن خشوا من أن إسرائيل تحاول جر الولايات المتحدة إلى حرب. في الصحف الأمريكية اقتبسوا شخصيات كبيرة في الإدارة حذرت من أنه ليس لديهم «رؤية كاملة» بخصوص التحضيرات الإسرائيلية لهجوم، وأنه لم يتم التوصل إلى تفاهم تتعهد فيه إسرائيل بأن لا تقصف إيران دون التنسيق مع الولايات المتحدة. في البيت الأبيض قلقوا بشكل خاص من احتمال هجوم انتقامي إيراني ضد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط إذا هاجمت إسرائيل”.
وأضاف : “الأمريكيون اعتقدوا أن إسرائيل تستطيع التملص من وسائل متابعتهم وأن تضع أمامهم حقائق منتهية. وزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا قال لسولبمان بأنه كانت للأمريكيين مصادر جيدة لمعرفة إذا كانت إسرائيل تستعد لهجوم كهذا، «دولة دقيقة مثل إسرائيل كان يمكنها إيجاد سبل لإخفاء خطوة كهذه، لأنهم كانوا يعرفون عن مصادرنا». دان شبيرو، سفير الولايات المتحدة في إسرائيل، في حينه صادق: «كنا متأكدين من أنهم إذا لم يعطونا إنذارًا، فلن يكون لدينا إنذار مسبق. الإسرائيليون كانوا يستطيعون مفاجأتنا وإعطاءنا إنذارًا لمدة ساعة أو ساعتين قبل الهجوم»، ثم أضاف بانيتا بأنه استنتادًا إلى مهاجمة إسرائيل للمفاعل النووي العراقي في 1981 والمفاعل السوري في 2007 «الجميع أدرك أن إسرائيل يمكنها العمل وحدها أمام تهديد وجودي».

يمكن الاستنتاج بدرجة كبيرة، إن إسرائيل لن تغامر بتوجيه ضربة عسكرية، فقد كان تركيزها على استثمار هذه التهديدات بالبيت الأبيض، لقد حاولت أن تفرض على أوباما تعهدًا بالتصميم أمام الإيرانيين إلى درجة وضع تهديد عسكري حقيقي أمامهم، وفي البيت الأبيض عارضوا ذلك لأنه يقيّد من مرونتهم، وقد يقفل أبواب التفاوض مع إيران.

مع أن عددا من كبار الشخصيات السابقة في إدارة أوباما ساد بينهم شعور بأن هجومًا إسرائيليًا ضد إيران قادم، وحده نائب الرئيس جو بايدن عرف أن المسؤوليين الإسرائيليين يخادعون، قال “هذه خدعة كبيرة”. على الأرض كان كل شيء يؤكد حدوث الهجوم، وقامت إسرائيل بكل ما يلزم من تحضيرات واستعدادات لتؤكد مضيها بتنفيذ تهديداتها وبالوقت نفسه كانت تفسح في المجال للاستخبارات الأميركية لمعاينة ما تفعل على أمل أن تنقلها هذه الأخيرة للبيت الأبيض.

كان للأميركيين مصادر في إسرائيل غير مكشوفة من تل أبيب، وهذه كانت تنقل إلى واشنطن أن هناك معارضة داخل الأجهزة العسكرية والأمنية لأي هجوم آحادي من جانبهم ضد إيران، وكانت الخلاصة التي توصل إليها الأميركيون هو ما قاله رئيس الاستخبارات الأميركية جيمس كلابر : “«قلق كبير ورغبة في الضغط علينا.. لقد اعتقدت أن هذا حرب نفسية»، أي حرب نفسية هدفها خداع الإدارة.

لم يكن الأميركيون سلبيين في الرد على الضغوط الإسرائيلية، فانصب عملهم على وقف الإسرائيليين عن الهجوم. بدرجة ما، هذا تحول إلى هدف فوري أكثر من صد إيران». رئيس الأركان الأمريكي مارتن دامبتسي، قال في حينه إن هجومًا إسرائيليًا على إيران سيضعضع استقرار المنطقة، ومشكوك فيه أن يحقق أهدافه. بعد ذلك أضاف أن هجومًا كهذا «سيعيق، ولكنه لا يدمر المشروع النووي».
زادت واشنطن من إرسال بعثات رفيعة المستوى إلى إسرائيل من خلال افتراض أن زيارات كهذه هي كسب للوقت وتؤجل القرار الإسرائيلي، كما اشتغلوا على تشكيل معارضة إسرائيلية للهجوم، وقد شجّع أوباما في حينه شمعون بيرس على أن يظهر ثقة بالوعد الأمريكي وبهذا التحفظ من الهجوم أحادي الجانب.
التهديدات الإسرائيلية بالهجوم تلاشت في أيلول 2012 عندما اجتمع باراك مع شخصيات كبيرة في الإدارة أثناء زيارة للولايات المتحدة وأعلن بأنه لم يعد يؤيد هجومًا غير منسق. هذه الخطوة لباراك لم يتم تنسيقها مع نتنياهو، لكن رئيس الحكومة نفسه، في خطاب في ذلك الشهر في الجمعية العمومية للامم المتحدة (الذي تم تذكره طويلابالأساس بسبب صورة القنبلة والخط الأحمر)، قال إن أشهرًا بقيت على وقف إيران. وبهذا أشار إلى رفع احتمال الهجوم الفوري عن جدول الأعمال اليومي. في صيف 2013 الولايات المتحدة وإيران أصبحتا مشاركتين في مفاوضات مكثفة قادت إلى التوقيع على الاتفاق المرحلي في تلك السنة. بهذا تم رفع احتمال الهجوم الإسرائيلي عن الأجندة.
ونصل للخلاصة التي أشار إليها سويلمان وهي:للضغط الإسرائيلي كان ثمة تأثير مهم آخر: تسريع خطوات العقوبات الاقتصادية الدولية التي قادتها أمريكا وأدت فيما بعد إلى التوقيع على الاتفاق المرحلي، وبعد ذلك التوقيع على الاتفاق النووي النهائي في فيينا بعد سنتين.
الخدعة الإسرائيلية جعلت أوباما يتحرك بوتيرة سريعة أكثر بسبب القلق من هجوم إسرائيلي محتمل. الإدارة نفسها استخدمت التهديد الإسرائيلي من أجل الضغط على روسيا والصين والاتحاد الأوروبي من أجل الانضمام إلى العقوبات. «التهديد الإسرائيلي بالتأكيد ساعد»، وقد لخّص سوبلمان الموقف: في نهاية 2011 إسرائيل جعلت الولايات المتحدة عمدًا تقدر أن هجومًا إسرائيليًا ضد إيران سيتم القيام به، وهذا سيناريو أقلق الإدارة كثيرًا. واشنطن التي كانت غارقة في حربين في العراق وأفغانستان خافت من التورط في حرب غير ضرورية أخرى. هنا بدأت المساومة الداخلية بين الحليفتين: إسرائيل نجحت في إقناع أمريكا بتبني خطوات متشددة أكثر ضد إيران، ولكن حقيقة أن الهجوم الإسرائيلي لم ينفذ تدل على قدرة المساومة للدولة الأقوى من بين الدولتين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى