متابعات

هآرتس” تسخر من انتخابات نقابة المحررين…صحافة “هز الذيل” للزعماء

كانت ساعة راحة للصحافي اللبناني رياض قبيسي؛ فقد قرر وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، منحه وعدداً من الصحافيين الآخرين جائزة مكافحة الفساد في إطار مؤتمر قمة الديمقراطية الدولي الذي نظمه الرئيس الأمريكي جو بايدن، قبل عشرة أيام. يعمل قبيسي في قناة التلفزيون الخاصة “الجديد”. واستحق هذا الشرف بسبب تحقيقاته الكثيرة، خصوصاً كشفه عن قرارات أدت إلى الانفجار الضخم بميناء بيروت في آب 2020. مثل غيره من الصحافيين الآخرين، يتعرض قبيسي منذ النشر للتهديد، وفي أيلول تم تحطيم زجاج سيارته. ولكنه لم يتراجع لا هو ولا زوجته الصحافية جوزفين ديب. “أنا الذي أطرق الباب”، اقتبس وولتر في فيلم “خارق الصفوف” وهو يتحدث مع زوجته التي كانت تخاف من أن يأتي شخص ذات يوم ويطرق بابهم ويطلق النار.

لكن الطرق على باب صحافي في لبنان لم يعد يخيف سكان البيت. فنظام الفساد أقوى من أي كشف أو إفشاء، لاسيما غياب كثير من الصحافيين المستعدين للمخاطرة بحياتهم من أجل هدف لا جدوى منه، مثل استئصال الفساد. صحف جيدة ومهنية مثل صحيفة “السفير” و”الحدث”، ومؤخراً “ديلي نيوز”، وهي الصحيفة الأقدم باللغة الإنجليزية، كلها ماتت. في السنوات الأخيرة، قلصت صحيفة “النهار” أكثر من 150 مكان عمل لصحافيين. ومعظم الصحف، منها صحيفة “المستقبل” وهي صحيفة رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، ألغت أعداداً مطبوعة وانتقلت إلى الإنترنت. وهذا ما فعلته قنوات التلفاز التي تجد صعوبة في مواجهة الشبكات الاجتماعية وتقليص حجم الإعلانات.

هناك صحافيون لم يتسلموا رواتبهم منذ أشهر. “ذات يوم، كان يمكن للصحافي أن يحصل على ثلاثة آلاف دولار، أما الآن ومع انخفاض سعر الليرة اللبنانية، يحصل على 200 دولار”، قال صحافي. وحسب قوله، يضطر الصحافيون في وسائل الإعلام غير الحزبية للعمل في أماكن عدة أو تلقي الرشوة من سياسيين ورجال أعمال مقابل مقالات إيجابية عنهم.

نظرياً، وسائل الإعلام اللبنانية منظمة في نقابتين مهنيتين: الأولى لأصحاب الصحف، والثانية للمحررين والصحافيين. ولكن 75 في المئة ممن يعملون في هذه المهنة ليسوا أعضاء في هذه النقابات، لأنها امتداد للحكومة أكثر مما هي منظمات للدفاع عن العاملين. في هذا الشهر، جرت انتخابات لنقابة المحررين والصحافيين، وتم اختيار الصحافي المخضرم جوزيف قصيفي مرة أخرى، المعروف بخدماته الجيدة التي يقدمها لأصحاب رؤوس الأموال والقوى السياسية.

 تقف أمامه في هذه السنة مبادرة جديدة لصحافيين غير راضين، وأقام هؤلاء جسماً أطلقوا عليه “نقابة الصحافيين البديلة”، التي يشارك في عضويتها صحافيون شباب محاربون يريدون إجراء إصلاحات بعيدة المدى في نقابة الصحافيين الرسمية، ولكن تم رفض عضويتهم في هذه النقابة لأسباب مختلفة. قام قصيفي بنضال قانوني ضدهم، وقدم باسم نقابته دعوى للمحكمة، طلب فيها منع الصحافيين وأعضاء النقابة البديلة ومنظمتهم، من نشر المقالات في أي وسيلة إعلام لبنانية وتغريم المخالفين بـ 65 ألف دولار على كل خرق. انفجرت الشبكات الاجتماعية ضاحكة واستخفت برئيس النقابة الذي يحارب الصحافيين و”يهز الذيل” للزعماء.

ساحة الصحافة ليست سوى انعكاس للصراع السياسي المشتعل في لبنان قبل الانتخابات التي ستجرى في شهر ما. أمر الرئيس اللبناني ميشيل عون بإجرائها في الربيع، وأعلن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي بأنها ستجرى في 27 آذار مثلما قرر البرلمان. يسعى عون إلى إجراء الانتخابات في أيار “قبل إنهاء البرلمان الحالي ولايته في 22 أيار”. يجب الاستعداد بشكل جيد، قال عون، ولن يحدث شيء إذا تم تأجيل الانتخابات لشهرين. لا يجب إزعاج لبنان في قيلولته.

 يعتقد ميقاتي ومن يعارضون التأجيل أنه يمكن حدوث الكثير. مثلاً، هذه فترة زمنية حيوية لصهر الرئيس، جبران باسيل، لتمهيد الأرضية لانتخابه رئيساً. البرلمان هو الذي ينتخب الرئيس، وباسيل وعون (88 سنة)، سيفعلان كل ما في استطاعتهما لضمان أن المرشحين الجدد “سيدركون” ما يجب عليهم فعله عند انتخابهما. إذا لم ينجحوا في هذه المهمة، يمكنهم على الأقل تقسيم البرلمان لتأجيل الانتخابات الرئاسية، ويستمر عون في منصبه إلى أن يتم التوصل إلى اتفاق. لأن عون قال في السابق: “لن أبقي ورائي فراغاً بعد ذهابي”. أي أنه سيبقى في منصبه إلى حين الاتفاق على الرئيس الجديد. وحتى ذلك الحين ستمر أسابيع، وربما أشهر.

حتى الانتخابات، يمكن لباسيل وشركائه استخدام وسائل الإعلام المقربة منهم من أجل التعتيم على الخطاب المناوئ لعون، تحديداً الانتقاد ضد صهره، وفتح حسابات مؤيدة له في “تويتر” و”فيسبوك”، وتطرح بيانات مفيدة. ليس عبثاً أن سارع رئيس البرلمان نبيه بري، وعون، إلى تهنئة قصيفي بالفوز في انتخابات نقابة الصحافيين. وقد تمت دعوته للقاء في قصر الرئاسة. بعد اللقاء، قال إنه طلب من الرئيس التصرف مع الصحافيين برأفة ومساعدتهم في الوضع الاقتصادي القاسي. “رأفة بالصحافيين؟”، قالت نقابة الصحافيين البديلة، بغضب. “لا يرأف بالجمهور، فهل سيرأف بالصحافيين؟”. والقلق الآن هو حول من هم الصحافيون الذين سيرأفون بالرئيس وصهره.

بقلمتسفي برئيل

 هآرتس 20/12/2021

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى