رصد-قديم

هآرتس: حزب الله….خسارة على الحدود وانتصار في بيروت

تتصرف إسرائيل باطمئنان إلى عملية تدميرها لأنفاق حزب الله على الحدود اللبنانية، وهي تتوقع أن يبلع هذا الحزب خسارته من دون ردة فعل منه قد تجرّها إلى مواجهة غير مأمونة العواقب لجهة حجم الإيذاء الذي قد يصيبها منها. لكن السؤال هو كيف وصلت إسرائيل إلى هذه الحسابات؟ 

صحيفة هأرتس نشرت مقالة بعنوان “لبنان غارق في مشاكله ولا يهتمّ بأنفاق «حزب الله» بقلم : تسفي برئيل، وفيها يسرد، دور الاعتبارات اللبنانية الداخلية وانغماس حزب الله بتفاصيل السياسة اللبنانية، في استبعاد إسرائيل أي ردة فعل على عمليتها “درع الشمال”. وهنا نص المقالة:

بكل الأحوال لبنان غارق، الآن، في فضيحة آبار المياه، وليس فضيحة الأنفاق. في البحث الاخير الذي اجرته الأمم المتحدة في العام 2012 تبين أنه حفر في لبنان اكثر من 60 الف بئر للمياه دون ترخيص، وكذلك نحو 20 ألف بئر بترخيص من الدولة. مرت سبع سنوات على اجراء هذا البحث، وفي هذه الاثناء يتم حفر آلاف الآبار الاخرى، معظمها بدون ترخيص.
فعلياً، كل مبنى سكني جديد تتم اقامته في العاصمة يحفر لنفسه بئر مياه، حتى لو من اجل رفع قيمته في سوق العقارات. البيت غير الموصول ببئر يضطر احياناً الى شراء المياه من الصهاريج التي تسيطر عليها مافيا المياه، والتي تحدد الاسعار دون أن يستطيع أحد أن يتذمر. لأنه مثل «مافيا الكهرباء»، التي سيطرت على تركيب مولدات في احياء المدينة، ايضا «مافيا المياه» هناك يتم منحها الرعاية من الحكومة، ممن يهتمون بالحصول على مداخيلهم من تحت الطاولة. «لا يستطيع احدٌ الاشراف على الآبار غير القانونية؛ لأنها غير مسجلة»، قال مدير قسم المياه في بيروت، جان جبران، في مقابلة مع موقع «المدن» اللبناني. في ظل عدم وجود رقابة لا يمكن معرفة جودة المياه، مستوى تلوثها، وكيف ستتم تنقيتها. «من يستطيع أن يسمح لنفسه يقوم بملء بيته بالمياه المعدنية. الفقراء اعتادوا على التلوث»، كتب، هذا الاسبوع، احد المتصفحين على صفحته في الفيس بوك. إلا أن المياه المعدنية غير رخيصة، في المقاهي والمطاعم تباع زجاجة المياه المعدنية بأكثر من دولارين، وهي اقل ببضعة دولارات من سعر فنجان القهوة الذي يمكن أن يصل الى 8 دولارات أو أكثر. «هناك مسألتان تهماننا وهما الكهرباء ومستوى المعيشة. أما الانفاق فهي مشكلتكم، ما يحدث في الجنوب لا يعني أحدا إلا اذا اندلعت حرب»، كتب صحافي لبناني لـ «هآرتس»، لم يكشف عن هويته خوفا من تقديمه للمحاكمة بتهمة «التطبيع» مع اسرائيل بسبب الاتصال مع شخص اسرائيلي.
صحيح أن الكشف عن الانفاق ونشاطات الجيش الاسرائيلي من اجل اغلاقها احتل العناوين الرئيسية في الدولة، لكن الى جانب ازمة المياه والكهرباء وتعرجات السياسة الداخلية التي تعيق تشكيل الحكومة الجديدة منذ نصف سنة، تعني المواطنين أكثر.
تقريبا حرب اهلية
القصة التي شاعت مؤخراً – التي هددت بإشعال حرب عنيفة كان يمكن أن تتطور الى حرب أهلية، مثلما حذر «حزب الله» – بدأت بفيلم فيديو قصير. في الفيلم ظهر رئيس حركة «التوحيد العربي» الدرزية، وئام وهاب، وهو يقوم بشتم رئيس الحكومة، سعد الحريري، ووالده، رفيق الحريري، الذي قتل في العام 2005، دون ذكر اسميهما بشكل صريح. وهاب نفى أنه وجه اقواله لهذين الشخصين. ولكن في لبنان لا توجد حاجة الى التوضيح أكثر. سعد الحريري فهم جيداً أن الامر يتعلق به وبوالده، وطلب تقديم وهاب للمحاكمة بسبب المس به وبالدولة. سارع النائب العام الى تنفيذ تعليمات رئيس الحكومة، واصدر أمراً لاستدعاء وهاب الى التحقيق. إلا أن وهاب المحسوب على كتلة 8 آذار المؤيدة لـ «حزب الله»، حركة أمل، الحزب الديمقراطي اللبناني، وحزب «المردة»، وله علاقة قوية مع الرئيس السوري، بشار الاسد، لم يفكر بهذا الاستدعاء. الحريري لم يتنازل. وفي يوم السبت الماضي أمر المخابرات في الامن الداخلي باحضار وهاب للتحقيق، وفتح بذلك ابواب جهنم. قوة مسلحة من 150 جندياً انتشرت حول قرية جاهلية التي يعيش فيها وهاب من اجل اعتقال الوزير السابق المقرب من حسن نصر الله. تقدّم قائد القوة بنفسه من مختار القرية وطلب منه استدعاء وهاب. في الوقت الذي كان يشرح المختار فيه للقائد بأن وهاب ليس في البيت، بدأ تبادل لاطلاق النار قوي بين قوات الامن وبين مؤيدي واصدقاء وهاب الذين حاولوا منع الاعتقال. في تبادل اطلاق النار قتل أحد حراس وهاب الشخصيين. هذا الفيلم كان سينفجر بشدة لولا قرار قائد القوة الانسحاب من القرية. ولكن المشكلة لم تنته. وهاب اتهم الحريري بأنه ارسل من قبل السعودية لقتله، وهذا ادعاء تم نفيُه من قبل السفارة السعودية في بيروت. حسب اقوال مقربي وهاب لا يمكن فهم «الهجوم غير المسبوق في حجمه وغير القانوني على القرية» إلا كمحاولة تصفية. صحيح أنه يصعب تذكر سابقة كهذه لاعتقال استعراضي لسياسي كبير، وحتى مقربو الحريري يعتقدون بأن هذه كانت خطوة زائدة أضرت برئيس الحكومة.
ولكن الامر لا يتعلق فقط باعتقال على خلفية اهانة شخصية. السياسة في لبنان لا تكتفي بقصص بسيطة. قبل وقت قصير من الاعتقال نظم وهاب قافلة سيارات محملة بعشرات المؤيدين المسلحين، توجهت نحو بلدة المختارة، مكان اقامة وليد جنبلاط، رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي الدرزي، والذي يعتبر الزعيم السياسي للطائفة الدرزية. هدف وهاب، الخصم السياسي لجنبلاط، كان استعراض القوة والاظهار أنه يمكنه التواجد في معقل جنبلاط وتحدي زعامته على جبال الشوف الدرزية. جنبلاط، الذي يؤيد الحريري، اوضح على الفور بأن «المختارة هي خط احمر»، أي أن من يريد الحرب فسيحصل عليها. هذا لم يكن مجرد تهديد لوهاب، بل لـ «حزب الله»، الشريك السياسي لوهاب الدرزي. جنبلاط، بالمناسبة، مقتنع بأن وهاب يقوم الأسد بتشغيله، وهو يريد احداث انقسام في الطائفة الدرزية. أو على الاقل تقليص نفوذ جنبلاط. يبدو أنه رغم المشاغل الكثيرة للاسد في ساحته الداخلية، إلا أنه لا ينسى الاهتمام بمستقبل سورية في لبنان.
عندها جاءت قصة الاعتقال. امام «حزب الله» كان ثمة احتمالان: إما استغلال الحادثة من اجل تسخين الساحة السياسية والاشتباك مع القوات الحكومية واشعال لبنان في محاولة لتهدئة المعركة، وإما ارسال قواته للدفاع عن وهاب. اختار نصر الله الثاني. «لقد انقذنا لبنان من حرب اهلية» اوضح «حزب الله»، «لقد كنا المحور الرئيسي لخطوات سياسية منعت اشتعال بلدة الجاهلية».
لا يوجد سبب للشك في ذلك. بعد وقت قصير من المعركة في الجاهلية ارسل جنبلاط، غير المعروف بتأييده لـ «حزب الله»، وفداً لقيادة المنظمة في الضاحية في بيروت من اجل التوضيح بأنه ليس له أو لحركته أي دور في الهجوم على وهاب. ولكنه ايضا يجب عليه الحفاظ على علاقته مع الحريري، لذلك منح تأييده لقرار اعتقال وهاب.
من تردد ولم يسارع الى التدخل كان بالذات الرئيس اللبناني، ميشيل عون. من جهة يعتبر عون حليفا لـ «حزب الله»، ومن جهة اخرى هو يتهم المنظمة بافشال تشكيل الحكومة، بالضبط في الوقت الذي يحتاج فيه لبنان بسرعة الى حكومة يمكنها اتخاذ قرارات اقتصادية حاسمة من اجل الخروج من الازمة التي يغرق بها. «حزب الله» غضب مما سماه «لا مبالاة الرئيس» تجاه الحدث. وبدأ بفحص هل عون لا ينوي خيانته في المستقبل. الخوف هو شرط ضروري لكل سياسي في لبنان، ونصر الله لا يشذ عن هذه القاعدة. اذا لم ينجح في أن يشكل لنفسه كتلة داعمة من 11 وزيرا (من أصل 30 وزير) فهو لا يستطيع أن يملي على اجندة الحكومة، ويمكنه نظرياً أن يفقد مكانته، سواء امام نفسه أو امام ايران وبمستوى اقل امام سورية، لأنه مقابل ايران، يمكن لسورية أن تبني لنفسها قاعدة نفوذ في لبنان بدون «حزب الله». «حزب الله»، الذي في بداية التسعينيات تردد في الدخول الى السياسة، لم يعد قادرا بدون السياسة التي تحولت الى اداة قوته الاساسية التي اضطر ايضا من اجلها الى دفع ثمن باهظ مثل المشاركة في القتال في سورية.
مرونة سياسية
المعركة في بلدة «الجاهلية»، التي تهز الساحة السياسية في لبنان، تدل على مستوى المرونة السياسية التي يجب على «حزب الله» اظهارها من اجل أن يتلمس طريقه السياسي. من يؤيد ومن يتهم؟ أي رواية يجب عليه أن يخلقها؟ هل سيستخدم القوة أم الدبلوماسية؟ ماذا يمكن أن يكسب من كل قرار؟ ليس هناك شيء مفهوم من تلقاء ذاته. في الدولة التي فيها حلفاء الامس يتحولون الى خونة اليوم، والتي فيها رئيس مسيحي حارب ضد السوريين وهاجر من بلاده بسبب ذلك مدة 15 سنة، تحول الى حليف لـ «حزب الله»، والدولة التي فيها زعيم درزي مثل جنبلاط انقلب عدة مرات في علاقاته مع سورية، والدولة التي رئيس حكومتها يتلقى التأييد من السعودية وتمت اقالته من قبلها، يستمر باجراء مفاوضات سياسية مع «حزب الله» من أجل تشكيل الحكومة.
اسرائيل متأكدة من أن نصر الله سيقف بصمت بسبب المفاجأة التي سقطت عليه من كشف انفاقه، حيث كان منشغلا بأمر آخر مهم من ناحيته. على الاقل حسب الافلام القصيرة، التي عرضتها اسرائيل، تبدو هذه الانفاق، التي بعد سنوات من الحفر كان يجب أن تكون مكتملة ومزودة وجاهزة، كمشروع تم التخلي عنه. بيروت في هذه الأثناء هي ساحة حرب بالنسبة لـ «حزب الله»، وهو ينوي الانتصار فيها.

المصدر: جريدة الأيام الفلسطينية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى