رصد-قديم

هل اهتزّ توازن الردع بين حزب الله وإسرائيل بعد تدمير الأنفاق؟

هناك العديد من الأسئلة التي تشغل المحللين العسكريين الإسرائيليين، منها : ماذا كان يريد حزب لله من الأنفاق؟ هل كان يُخطط لهجوم مباغت على المستوطنات بخلاف ما كان يوحيه من اكتفاء بمعادلة الردع والخوف؟ أم كانت هذه الأنفاق وسيلة دفاعية وفقا لمبدأ خير وسيلة للدفاع الهجوم؟ كذلك لماذا كان الحزب متكتما على خطة الأنفاق بينما كان يجاهر بما لديه من صواريخ دقيقة وغير دقيقة؟ وأيضا البحث في سؤال: كيف سيتصرف حزب الله ما بعد تدمير أنفاقه، وكذلك التوقف عند التأكيد الإسرائيلي على دور التكنولوجيا في كشف الأنفاق، وما أهمية هذا الدور في توقيت قرار إطلاق الجيش الإسرائيلي عملية “درع الشمال”؟

صحيفة “يديعوت” نشرت مقالة للمحلل العسكري رون بن يشاي عالج هذه الأسئلة من وجهة نظر إسرائيلية، وهذا نصها:

لا يريد «حزب الله» ورعاته الإيرانيون حرباً ضد إسرائيل في المرحلة الحالية، وعلى ما يبدو أيضاً ليس في المستقبل القريب. هذا ما تدل عليه معلومات استخباراتية محدثة تجمعت في إسرائيل وفي دول غربية أيضاً، والوقائع على الأرض. لكن لدى «حزب الله «على الأقل خطة عملانية واستراتيجية منظّمة لحرب لبنان الثالثة التي سيسعى فيها الحزب لتحقيق انتصار بارز يؤثر في الوعي، وربما أيضاً انتصار واضح على إسرائيل.
تعتمد خطة الحرب لدى «حزب الله» على جهدين : الأول – إحداث دمار منهجي في الجبهة الداخلية العسكرية والمدنية من خلال إطلاق كثيف لآلاف الصواريخ والقذائف الدقيقة التي ستتحدى المنظومات الدفاعية الإسرائيلية ضد الصواريخ وستتغلب عليها؛ الثاني – هجوم برّي مباغت داخل أراضي إسرائيل بهدف إفقاد التوازن للجيش وللمجتمع الإسرائيليين، من خلال القيام بعمليات تسلل بحجم لا مثيل له منذ حرب 1948.
من المفترض أن تقوم عناصر القوات الهجومية لـ «حزب الله»، قوة الرضوان، بمساعدة ميليشيات شيعية إيرانية، بالسيطرة على مستوطنات، وخطف رهائن وأسرى، وإغلاق محاور حركة أساسية والتشويش وعرقلة نشاط الجيش الإسرائيلي – سواء إذا ما حاول القيام بهجمات مضادة داخل أراضي إسرائيل، أو حاول الدخول إلى الأراضي اللبنانية لإزالة الجوهر المحتمل لهذا الهجوم البري – الورقة السرية التي احتفظ بها حزب الله بسرية كاملة حتى أيضاً عن مسؤولين كبار في الحزب – كانت الأنفاق الواسعة تحت الأرض التي تستطيع أن تتحرك فيها بسرعة عناصر الحزب جنباً إلى جنب الميليشيات.
هذه الخطة نجح الجيش الإسرائيلي حالياً في عرقلتها: على الرغم من جهود الإيرانيين وعناصر «حزب الله»، فإنهم لم ينجحوا في نقل صواريخ دقيقة بكميات كبيرة إلى لبنان.
ونتيجة ذلك، ليس لدى «حزب الله»، الآن، القدرة على تنفيذ هجوم بالصواريخ الدقيقة على إسرائيل. صحيح أن لديه 120 إلى 130 ألف صاروخ وقذيفة، معظمها غير دقيق، وعلى الأقل 80% من هذه الصواريخ سيسقط في مناطق مفتوحة، والباقي ستعترضه منظومات القبة الحديدية، وباتريوت، ومقلاع داود (العصا السحرية)، وصاروخ حيتس 2 وحيتس3.
هذا من دون أن نأخذ في الحسبان القدرة الجوية المتوفرة لدى إسرائيل اليوم لمهاجمة الصواريخ والبنى التحتية السياسية في لبنان، والتي لم تكن متوفرة لدى الجيش سابقاً.
الرد على التهديد يمكن أن يكون «ضاحية بأربعة أضعاف وربما أكثر» يقولون في الجيش بثقة مستعيدين ذكرى الهجوم الكثيف على قلب بيروت [على الضاحية الجنوبية] في العام 2006. صحيح أن حسن نصر الله بث فيلماً يستند إلى صور جوية التقطها غوغل مع إحداثيات تتعلق بالكرياه [مركز قيادة الأركان العامة في تل أبيب] ومعسكرات للجيش، لكن من أجل تنفيذ التهديد ستضطر عناصره إلى إطلاق آلاف الصواريخ والقذائف على الكرياه، ونحن لا نرد، فقط نتلقى. بكلام آخر، مع الصواريخ والقذائف غير الدقيقة التي لديه حالياً، فيلم حزب الله هو تهديد فارغ. وذلك بفضل الجهود التي بُذلت في السنوات الأخيرة ضمن إطار «معركة بين الحروب» (التي تتألف من مئات العمليات السرية أغلبيتها الساحقة لم تنشر).
إلى جانب النجاح الباهر في منع تسلح «حزب الله» بالصواريخ الدقيقة، أخذت خطة الهجوم البرّي داخل أراضي إسرائيل تكتسب زخماً. لم يُخفِ «حزب الله» نواياه في هذا الصدد، لكن شيئاً واحداً حافظ عليه سراً؛ خطة استخدام الأنفاق من أجل تحقيق مفاجأة كاملة في الدقائق الأولى، بوساطة قوات تخرج من عدد محدود من الأنفاق، تقطع بوساطة الصواريخ المضادة للدبابات والكمائن الطريق على قوات الجيش، بينما القوات الخاصة لـ «حزب الله» (قوة الرضوان) والميليشيات الشيعية تتقدم بسرعة فوق الأرض وتسيطر على العوائق التي أقامها الجيش على الحدود، وعلى بعض المستوطنات مثل المطلة، ومنارة، وأفيفيم، وزرعيت وغيرها.
لكن بخلاف ادعاءات سكان الحدود في الشمال بشأن سماعهم حفر الأنفاق داخل المستوطنات وربما تحت منازلهم، حفر «حزب الله» أنفاقه بصورة تخدم خطوة البدء بعمليته العسكرية. لذلك لم تُحفر الأنفاق تحت منازل المستوطنات، أو بالقرب مباشرة منها، بل في المناطق التي من السهل التحرك فيها سيراً نحو محاور السير الأساسية، مثل طريق 90 المؤدي إلى المطلة، وإلى عدد من نقاط السيطرة العسكرية لمنع وصول التعزيزات.
طوال عامين اهتم أيزنكوت شخصياً بموضوع الأنفاق وعقد عشرات الاجتماعات، وعمليات المحاكاة.
والسؤال كان متى نبدأ بإحباط الأنفاق؛ هل نهاجمها وهي في داخل الأراضي اللبنانية أو ننتظر حتى تعبر إلى داخل أرض إسرائيل؟ أو نمتنع من أي عمل وننتظر خروج عناصر حزب الله من الأنفاق عندما تنشب الحرب؟ في هذه الأثناء توصل طاقم استخباراتي – تكنولوجي إلى نتائج مذهلة، وحينئذ جرى استخدام تكنولوجيا جديدة للكشف عن الأنفاق سمحت بتحديد مكانها بدقة. وجرت أيضاً محاولات جرى خلالها التوصل إلى أفضل الطرق للتسلل إلى داخل الأنفاق، من خلال الحفر في داخلها وأدوات سرية.
الدمج بين الاستخبارات والتكنولوجيا والوسائل التقنية أدى في 7 تشرين الثاني إلى عرض رئيس الأركان خطة على المجلس الوزاري المصغر لمعالجة الأنفاق، كما عُرضت أيضاً الحجج التي تبرر عدم معالجتها آنذاك، عرضها رئيس شعبة الأبحاث في الاستخبارات العسكرية العميد درور شالوم.
استمع المجلس الوزاري المصغر إلى رأي رئيس الأركان ورأي رئيس شعبة الأبحاث وقرر إعطاء الضوء الأخضر. تأجل التنفيذ بضعة أسابيع لاستكمال تحضيرات تتعلق بوسيلة تقنية معينة، وبدأ العمل في بداية هذا الأسبوع.
من المهم الإشارة إلى نقطة معينة؛ للمواجهة مع «حزب الله» أولوية في نظر قيادة الجيش الإسرائيلي على المواجهة مع «حماس».
حزب الله وإيران التي تقف خلفه هما العدو الأقوى الأساسي، والمواجهة الناجحة معهما تزيد من الردع الاستراتيجي لإسرائيل وتبعد عنها الحرب، بينما المناوشات مع «حماس» في قطاع غزة لا تنتهي أبداً بنتيجة قاطعة مهمة، بل تؤدي إلى العودة إلى الوضع السابق. العقيدة الاستراتيجية التي يتبناها رئيس الأركان أيزنكوت، وأيضاً جربها، هي أنه من الأفضل الدخول في مواجهة مع عدو قوي بأساليب تفاجئه وتصيبه في نقاط ضعفه مرة تلو الأُخرى – بوساطة عمليات سرية في أغلبيتها تضعفه وتحبط نواياه. وما لا يقل أهمية، عمليات تجري على حافة الحرب ولا تتسبب باندلاع حرب بل تحديداً تبعدها.
في منتصف سنة 2017، طلب أيزنكوت الحصول على موافقة المجلس الوزاري المصغر لتوسيع المعركة بين الحروب لإحباط تمركز إيران في الشمال، وذلك بخلاف رأي عدد من ألوية قيادة الأركان العامة للجيش الذين ادّعوا أنه إذا ضربنا الإيرانيين ستنشب حرب. حصل رئيس الأركان على موافقة الوزراء – إيرانيون عادوا إلى وطنهم بالنعوش، وعلى الرغم من ذلك اضطرت طهران إلى ضبط نفسها. هذه الاستراتيجيا لخوض مواجهة مع عدو قوي بوساطة مئات العمليات السرية ناجعة لتحقيق ردع استراتيجي وإبعاد الحرب، ويمكن أن تسجل في التاريخ «كعقيدة أيزنكوت».

المصدر: الأيام (الفلسطينية)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى