مواسم

هل تمنع روسيا كسر الهلال الشيعي؟

حسين حمية

بدأ الحديث عن انتهاء الهلال الشيعي، والمقصود بهذا التعبير الذي أطلقه الملك الأردني عبدالله الثاني منذ سنوات عدة، هو تنامي النفوذ الإيراني في 3 بلدان عربية هي العراق وسوريا ولبنان، هذه النهاية لم تجر على ألسن استراتيجيين حاذقين إنما بأقلام كتّاب ومحللين يوجد في صنعتهم الكثير من البروباغندا على حساب الحقائق.

كسر الهلال الشيعي ليس مستحيلا وقد يحدث، وقد لا، لكن ما يجب فهمه هو أن مثل هذا المشروع يعادل بثقله “مشروع الربيع العربي”، لا بل هناك من يتوقع أن تنجم عن تداعياته فوضى إقليمية هائلة تمتد من شواطىء البحر المتوسط إلى قلب آسيا، ولن تنجو منه الخرائط السياسية الحالية، فهناك أقوام وأمم تنتظر أول فرصة للانقضاض على دولها وإعادة تفكيكها وتجزئتها بالحروب الأهلية والنزاعات الدموية كما يحدث في سوريا والعراق واليمن وليبيا.

مع ذلك، هناك ما يؤشر إلى مخططات تريد المس ب”الهلال الشيعي”، لكن فاعلية هذه المخططات تتبدى فعاليتها ظرفيا من جملة مؤشرات تحدث في ساحات القوس الشيعي، بداية يجدر التوقف عند ردود الفعل في العراق على موقف رئيس الوزراء حيدر العبادي الداعي للالتزام بالعقوبات الأميركية على إيران، وهي ردود تنبىء بتحييده عن تشكيل الحكومة الجديدة بضغط من حلفاء إيران.

وفي سوريا، عدم مجاراة الروس لإسرائيل في طلبها منع التموضع العسكري الإيراني على كامل الأراضي السورية، والاكتفاء بإبعاد طهران عسكريا (المستشارين) 85 كلم عن حدود الجولان المحتل، في حين تدرك تل أبيب أن هذا “التنازل” الإيراني لا يلبي حاجاتها الأمنية على المدى البعيد، أضف أنه لا يمنع معاودة تسربه بأشكال مموهة إلى المناطق ذاتها.

أما في لبنان وهو الضلع الأخير ل”الهلال الشيعي” ما زال حزب الله هو المقرر في تشكيل السلطة ورسم سياساتها الخارجية، بينما خصومه السياسيون في الطوائف الأخرى هم في مسار تراجعي وتستنزفهم أزماتهم الداخلية، حتى أن القوى الخارجية التي كانت تستخدمهم رأس حربة في مواجهته عزفت عن مثل هذه الرهانات. وإذ تظهر على بيئته الشعبية أعراض تململ داخلي على خلفية معيشية، لكن ليس هناك أدوات سياسية لجعل هذا التململ  خاصرة رخوة تكبح نفوذ الحزب وتستنزفه، علما أنه بصدد “إصلاحات” على أكثر من مستوى لتحديد خسائره ضمن هذه البيئة ووقفها.

الأميركيون عبّروا صراحة عن نيتهم كسر الهلال الشيعي باستراتجيتهم لمكافحة نفوذ إيران الإقليمي والتي تضمنت 12 شرطا، كان قد طالب وزير الخارجية مايك بومبيو إيران الالتزام بها، لكن إجبار إيران على الانصياع لهذه الطلبات يقتضي مساندة روسية ودعم دولي، وهذا ما تفتقده إدارة ترامب حاليا المنغمسة بحروب تجارية وتوترات سياسية متعددة الأطراف.

كان لافتا ما قاله اليوم وزير الخارجية الألماني هايكو ماس:«على أي جهة تأمل بتغيير النظام (في ايران) ألا تنسى أن نتائج ذلك يمكن أن تجلب لنا مشكلات أكبر بكثير. عزل إيران يمكن أن يعزز القوى الراديكالية والأصولية. الفوضى في إيران، كما شهدنا في العراق أو ليبيا، قد تزيد حال عدم الاستقرار التي تشهدها المنطقة المضطربة أصلاً».

إلى ألمانيا ومن خلفها أوروبا، لا تبدو روسيا منجرفة في اللعبة الأميركية، وحدود مشاركتها في ضرب “الهلال الشيعي” رسمها سفيرها في تل أبيب، وهي أن بلاده لا تستطيع أن تفرض على إيران سحب قواتها من سوريا.

لكن هناك عناصر أخرى أكثر أهمية تتحكم في الموقف الروسي حيال إيران، لا تتعلق بدرجة نفوذ موسكو على القرار الإيراني في سوريا فقط، فالروس يربطون بين تقويض “الهلال الشيعي” والأمن القومي الروسي في مجاله الآسيوي، وهذا ما عبرت عنه مقالة في دورية “كوريير” الروسية للصناعات العسكرية “من مصلحتنا تجنب سيناريو يقود إلى هزيمة إيران. فإذا تمكنت الولايات المتحدة وإسرائيل وعدد من دول الخليج من إخراج القوات الموالية لإيران من سوريا، فذلك ينذر بكارثة للدولة الفارسية، لم تكن ممكنة قبل ثلاث أو أربع سنوات. اليوم، يتم استثمار موارد بشرية ومادية ضخمة في الحرب. ولذلك، ففشل استراتيجية الحزام الشيعي يمكن أن يكون له تأثير مدمر للغاية على المجتمع الإيراني، ما قد يثير انفجارا معارضا للسلطة الدينية، الأمر الذي سيستغله، من دون شك، اللاعبون الخارجيون عن طريق إرسال المرتزقة والإرهابيين، وتحريض الانفصاليين الأكراد، والأذريين والبلوش”.

والأكثر من هذا، هناك من يخطّىء روسيا بوقوفها على الحياد في الصراع الإيراني الأميركي، ويدعو إلى ضرورة اعتماد استراتيجية لتقوية إيران، فانهيار “الهلال الشيعي” لن تنحصر مفاعيله على النظام الإيراني وحده، بل ستصل اضراره إلى الحدائق الخلفية لروسيا “هزيمة إيران تشكل تهديدًا مفصليا لروسيا. لفهم ذلك، ينبغي النظر، على الخريطة، إلى القوس العملاق الممتد من البحر المتوسط ​​إلى آسيا الوسطى. فعلى مداه كله تقريبا، يلاحظ عدم الاستقرار. إيران، هي الدولة الوحيدة من سوريا إلى أفغانستان، التي لا يمكن وصفها بأنها دولة فاشلة، فالوضع فيها تحت السيطرة، على الرغم من جميع المشاكل التي تعانيها. وإذا ما تكرر مصير سوريا في إيران، فسينهار الوضع على نطاق إقليمي واسع، مع زعزعة استقرار لاحقة تمتد من القوقاز إلى آسيا الوسطى، ما يهدد روسيا، وينذر بتدفقات لاجئين ضخمة”.

ما زال الوقت مبكرا، للحديث عن نهاية للهلال الشيعي، حتى إن الأميركيين أنفسهم لم يفصحوا صراحة عن هذا الهدف بالحجم الذي يرغب البعض في إنهائه، فالقوس الشيعي ولو أنه ينطوي على مدلول مذهبي، إلا أنه في الحقيقة ليس سوى لعبة نفوذ إقليمية وأنابيب غاز ونفط تقبل القسمة والاقتسام.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى