جريدة

هل يكون آية الله الإيرواني الخليفة الأوفر حظاً للمرجع السيستاني؟

قد يكون آية الله الشيخ محمد باقر الإيرواني، الأستاذ في الحوزة العلمية بمدينة النجف العراقية، الشخصية الفقهية الأوفر حظاً لخلافة المرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني، الذي يبلغ من العمر 92 عاماً، خصوصاً أن الفقيه الذي كان من المرجح أن تؤول له “المرجعية العُليا” في مرحلة “ما بعد السيستاتي”، وهو آية الله السيد محمد سعيد الحكيم، توفي إثر نوبة قلبية مفاجئة في سبتمبر الماضي، الأمر الذي أعاد التفكير في مستقبل المرجعية في حوزة النجف، والتي تعتبر واحدة من أهم الحواضر العلمية والدينية للمسلمين الشيعة.

ديوان الإيرواني!

المعلومات التي حصلت عليها “العربية.نت”، تفيد أن الشيخ محمد باقر الإيرواني، خطى بالفعل خطوات في طريق التصدي للمرجعية والإفتاء، رغم وجود فقهاء كبار أمثال: السيد علي السيستاني، والشيخ إسحاق الفياض، والشيخ بشير النجفي.

الإيرواني قام بفتح “ديوان” له، أو ما يصطلح عليه في عُرفِ الفقهاء في النجف بـ”البراني”، وهو أشبه بالمكتب أو المكان الذي يستقبل فيه أساتذة الحوزة العلمية وفضلائها، حيث يجلسون ويتباحثون في المسائل الفقيهة والقواعد الأصولية.

“الديوان” الذي يستقبل فيه الإيرواني زواره، اختار له مكاناً ذو بُعد تاريخي، فقد كان سابقاً مكتباً للمرجع الراحل السيد عبد الهادي الشيرازي. كما أن الشيخ الإيرواني يستقبل الزوار فيه شخصياً، ويقوم بتوديعهم فور انتهاء المباحثات، دون وجود حاشية كبيرة أو حراسٍ أو برتوكولات صارمة!

آية الله علي السيستاني

هذا العملُ الذي أقدم عليه الإيرواني، كان “ذكياً” في نظر مراقبين، فهو لم يطرح نفسه كمرجعٍ ديني في وجود آية الله علي السيستاني، ولم يطبع “الرسالة العملية” والتي هي كتاب الفتاوى الذي يرجع له المقلِدون، ولم يؤسس شبكة من الوكلاء والمعتمدين في مدن العراق وقراه، وإنما اكتفى بجلسة المباحثة الخاصة هذه، والتي هي خطوة إلى الأمام، ستمهد له الطريق تالياً في مرحلة “ما بعد السيستاني”.

ردود الأفعال!

في “الصحن الحيدري”، الواقع بمقام الإمام علي بن أبي طالب، بمدينة النجف، وتحديداً في “المدرسة الغروية”، يحضر نحو 600 طالب دروس “البحث الخارج” التي يقدمها الشيخ محمد باقر الإيرواني، وهي المحاضرات التي تعادل درجة “الدكتوراة” في الجامعات النظامية.

هذا الحضور الواسع من طلبة الحوزة العلمية لدروس الإيرواني، صيره صاحب أكبر “بحث خارج” في النجف، والإقبال الكبير فيه إشارة على العلم والفقاهة، خصوصاً أن الإيرواني يمتاز بسلاسة البيان، وسهولة العبارة، ووضوحها، والبعد عن “الطلاسم” والتعقيد، مع العمق في آنٍ معاً.

من هنا، عندما أقدم الشيخ الإيرواني على افتتاح “الديوان”، لقيت هذه الخطوة “ترحيباً واسعاً بين أوساط فضلاء الحوزة العلمية في النجف”، كما يقول أحد العارفين بالشأن الحوزوي لـ”العربية.نت”، مضيفاً “الترحيب لم يقتصر على النجف، بل هنالك ارتياح حتى في أوساط العلماء التقليديين في حوزة قم، والخليج، ولبنان”.

ماذا عن موقف مكتب المرجع الديني السيد علي السيستاني؟ يجيب مصدر مطلعٌ على السؤال قائلاً: “ما يهم مرجعية السيد السيستاني هو حفظ الحوزة ومصالح الناس، ولذلك، ليس هنالك ممانعة من مرجعية السيستاني للخطوة التي أقدم عليها الشيخ باقر الإيرواني، بل من المرجح أن هنالك ارتياح ومباركة ضمنية”.

الإيرواني والمنافسين!

نشرت “العربية.نت”، تقريراً موسعاً في 23 سبتمبر الماضي، بعنوان “مستقبل المرجعية الدينية في النجف ما بعد السيستاني”، تطرق التقرير إلى عدة أسماء بارزة في الأوساط الفقهية النجفية، كمرشحين محتملين، كان في مقدمتهم: الشيخ هادي آل راضي، والشيخ حسن الجواهري، والشيخ باقر الإيرواني.

هنالك أسماء أخرى أشار لها التقرير، مثل المرجعين الحاليين: إسحاق الفياض وبشير النجفي؛ وأساتذة مرموقين أمثال: محمد رضا السيستاني، ورياض الحكيم؛ إلا أن فتح باقر الإيرواني لـ”ديوانه” قد يعيد ترتيب الأوراق.

مصدرٌ عليم تواصلت معه “العربية.نت”، أشار إلى أن “هنالك ترحيب حتى بين بعض المجايلين للشيخ الإيرواني بالخطوة التي أقدم عليها، لأن المسألة ليست تنافساً بين الفقهاء، وإنما تكامل فيما بينهم، فالهدف هو الاستمرارية وتقوية الحوزة العلمية وخدمة الناس”.

المصدرُ ذاته، كشف عن أن هنالك معلومات تشير إلى أن “الشيخ هادي آل راضي قد لا يتصدى للمرجعية في الوقت الحاضر، طالما أن الإيرواني سيتصدى لها”، في خطوة اعتبرت دليلاً على “تقوى آل راضي، وزهده في المناصب، وتقديمه المصلحة العليا للحوزة على أي نفوذ شخصي أومطامح”.

الشيخ إسحاق الفياض

تاريخياً، وبعد وفاة المرجع الأعلى للمسلمين الشيعة الإمام أبو القاسم الخوئي، العام 1992، وتصدي السيد علي السيستاتي للفُتيا، كان هنالك عدد من الفقهاء البارزين، ومن ضمنهم الشيخ مرتضى البروجردي والشيخ إسحاق الفياض، إلا أنهما تريثا، ولم يطرحا مرجعيتها مباشرة، رغم كونهما مشهود لهما بـ”الفقاهة”، وكان أحد الأهداف هو دعم مرجعية السيستاني، وإعطاءها الوقت لكي يكون لها نفوذها، وتالياً بعدها تصدى الفياض والبروجردي للمرجعية.

ذات الأمر من المرجح أن يحدث مع الشيخ باقر الإيرواني؛ فبحسب المراقبين، على الأرجح أن لا يتصدى بقية المجايلين له، ويفسحون المجال أمامه لترسيخ أسس مرجعيته، خصوصاً أنه تربطه علاقات احترام وصداقة مع الشيخين هادي آل راضي وحسن الجواهري، وجميعهم يشتركون في دائرة واسعة من الأفكار “المعتدلة”، التي هم في أساسها لمتداد لمدرسة “النجف”.

الصفات والمؤهلات

يبلغ الشيخ الإيرواني من العمر نحو 72 عاماً، قضى منها نحو 30 عاماً في تدريس “البحث الخارج”، إضافة لحوالي 15 عاماً مدرساً لما يُعرف بـ”السطوح العُليا” وهي التي تعادل درجة الماجستير في الأكاديميات الحديثة، وهذا ما يجعله واحداً من الفقهاء المتمكنين علمياً، إضافة لوجود شبكة واسعة من الطلاب، تعدُ بالمئات، في دول عدة: العراق، إيران، أفغانستان، باكستان، السعودية، قطر، البحرين.. وسواها.

هؤلاء الطلاب سيكونون مصدر قوة لمرجعيته تالياً، وسيعملون على نشر فتاويه وأفكاره، خصوصاً أنه من الفقهاء الذين يسعون لتقديم رؤية أكثر اعتدالاً للإسلام.

الإمام أبو القاسم الخوئي

السيد أبو القاسم الخوئي، والسيد محمد باقر الصدر، هما أبرز أساتذة الشيخ الإيرواني، يليهما السيد علي السيستاني.

ويعدُ الخوئي أكثر الشخصيات التي أثرت في الإيرواني، حيث أنه متشربٌ بطباعه “علمياً وأخلاقياً واجتماعياً”، كما يشيرُ أحد العارفين بآية الله الإيرواني.

الإيرواني الذي له عدة كتب علمية، يحمل الجنسية العراقية، وكان هُجر إلى إيران إبان عهد الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، حيث درسَ في حوزة “قم”، وعندما عاد إلى العراق واصل مشواره البحثي.

ينتمي الإيرواني إلى عائلة أصولها التاريخية من “أرمينيا”، واستقر أجداده قبل أكثر من مائتي عام في العراق، قادمين من إيران.

والده الشيخ محمد تقي الإيرواني، فقيه، من تلامذة آية الله أبو القاسم الخوئي، وكذلك إبن عم والده الشيخ ميرزا يوسف الإيرواني، الذي حضر الدورة الأولى من دروس الخوئي؛ أي أن محمد باقر هو سليل أسرة عُرفت بالعلم والفقاهة، ومن أشهر أعلامها “الفاضل الإيرواني”.

إحدى ميزات الشيخ الإيرواني الأساسية في نظر البعض، كونه “ليس لديه عشيرة كبيرة، وليس لديه شبكة واسعة من الأبناء أو الإخوة، وهذا ما سينعكس إيجابياً على مرجعيته، ولا يجعلها خاضعة لنزعات أو رغبات عائلية أو عشائرية أو طموحات المقربين”.

المرجعية والسياسة

“طوال سنوات تصديه للبحث الخارج والتدريس، لم يتدخل الشيخ باقر الإيرواني في السياسة والعمل الحزبي”، بحسب ما يقول عارفٌ بشخصية الإيرواني، مضيفاً: “في حال أصبح الإيرواني مرجعاً، فعلى الأرجح سيكون على ذات نهج الراحل السيد أبو القاسم الخوئي، أي التصدي للافتاء، وحفظ الحوزة العلمية، وتلبية مصالح واحتياجات الناس، واستمرار البحوث العلمية”، متوقعاً أن “الإيرواني قد لا ينخرط في الشأن السياسي حتى العام منه بشكل واسع، دون أن يعني ذلك أنه لن يكون له رأيه، وسيقتصر تدخله على الحالات الضرورية التي تحفظ دماء الناس وأموالهم وأعراضهم”.

السيد محمد باقر الصدر

الأهم برأي “المصدر” أن “الإيرواني مناهضٌ لاستخدام الدين في السياسة، وضد العنف والإرهاب والتطرف، ورافضٌ للخطابات الطائفية، وهو مع منهجية الاعتدال والحوار والإصلاح بالوسائل السلمية”.

طبيعة الإيرواني “التقاوائية، الهادئة، العقلانية، البعيدة عن الانفعال”، ستنعكس على أداء مرجعيته، وبالتالي على مقلديه في العراق والخليج العربي، ما يجعله داعماً لسياسات “السلم الأهلي” ويبعد المؤمنين بأفكاره عن التحزبات الطائفية والانعزالية.

العربية نت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى