رصد-قديم

وصل به الأمر إلى هنا ..استاذ جامعي يدعو للتضحية بالكفاءة العلمية حرصا على التوازن الطائفي

مناطق نت

يتجاهل الكاتب أن هناك سياسات من كل حدب طائفي وصوب مذهبي لها مصلحة في تحطيم الجامعة اللبنانية وسلبها امتياز التعليم العالي لتوسيع سوق التعليم الخاصة، ويتجاهل كيف تأخذ هذه السياسات مجراها التنفيذي بالتعيينات الزبائنية والمحاصصات الطائفية وبالإهمال المتعمد في كل المناحي لهذه المؤسسة الوطنية، وعوضا أن يبحث في حفظ التنوع الوطني بإعادة النظر بالنظام السياسي وإلغاء النظام الطائفي دفعة واحدة بدون استخدام ذريعة النصوص والنفوس الذي تؤبد هذا النظام العنصري، يريد نقل أمراض جديدة إلى هذه المؤسسة التي تشكل خزّان المستقبل اللبناني، بتغليب معايير المناصفة الطائفية على المعايير الأكاديمية بحجة عدم تهميش المسيحيين مبديا خشيته على تعايش إسلامي مسيحي، انقضى معظمه بالحروب والأزمات والتوترات والأحقاد والإطاحة بمشروع الدولة وتخليق الأحزاب الطائفية من كل النسخ.

لا يحتاج هذا التعايش أصلا لا للمناصفة ولا للمحاصصة،هذا كله تغطية، لمصالح أفراد وجماعات على حساب مصلحة الوطن، ومن هو خائف على التنوع فليذهب إلى الإسهام في انتاج وعي وطني متسامخ ويقبل الآخر، وليس له الحق في أن يطلب من اصحاب الكفاءات والأهلية أو الطلاب المستفيدين منها بان يضحوا بحقوقهم من أجل تعايش منافق تستفيد منه قلة فاشلة سواء أكانت مسيحية أم إسلامية.

 كان هذا تعليقنا على المقالة التي نشرت اليوم في جريدة النهار،تحت عنوان :تهميش المسيحيين في الجامعة اللبنانية بقلم مشير باسيل عون

ولقراءتها هذا ما جاء في تلك المقالة:

تردّدتُ قبل الشروع في كتابة هذا المقال لأنّ النقاش الناشط في شأن الجامعة اللبنانيّة سلك مسالك خطيرة أضحى الكلام فيها معرَّضًا للانحراف في التفسير والتحامل على المقاصد. في نهاية المطاف عقدتُ العزم على الإفصاح عمّا أستنسبه من تفكّر فلسفيّ مسؤول، علَّ الإسهام الفكريّ النزيه يرتقي بالنقاش إلى المستوى الذي ينبغي أن يرنو إليه. في مقصدي أن أضع مثل هذا النقاش في سياق التناول الفلسفيّ الأرحب وأقرنه بالتفكّر الرصين في وقائع الاجتماع اللبنانيّ. من الثوابت في قضيّة الجامعة اللبنانيّة أنّ واقعها لا ينفصل عن الواقع اللبنانيّ الراهن، وأنّ النظر في مشاكلها إمّا أن يذهب مذهب الاعتراف والإقرار والعزم على الإصلاح، وإمّا أن ينحو منحى المكابرة والإسقاط الأيديولوجيّ المغرض. من الواضح أنّ جميع الجامعات تتعرّض لانتكاسات وتعثّرات، ويشوب أداءها بعضٌ من التقصير، ويعتورها شيءٌ من الاضطرب المسلكيّ والبنيويّ. غير أنّ مثل هذه المعايب، حين تصيب جامعةً كالجامعة اللبنانيّة، تتفاقم آثارُها لأنّ التركيبة البشريّة فيها منبثقةٌ من صميم الاجتماع اللبنانيّ الفسيفسائيّ. وللمرء أن ينظر إلى الفسيفساء إمّا نظرة إعجاب وامتداح، وإمّا نظرة تقبيح وذمّ. ونحن جميعُنا نعلم أنّ الجامعة اللبنانيّة تكابد من الصعوبات البنيويّة والمسلكيّة ما يوشك أن يرهقها ويصدّها عن الاضطلاع بمسؤوليّتها الأكاديميّة. من بعد التأمّل في طبيعة هذه الصعوبات، تبيّن لي أنّ المشكلة الأخطر التي توشك أن تضعضع بنيان الجامعة اللبنانيّة تكمن في غلوٍّ وانحراف وتراخٍ

أمّا الغلوّ، فهو في الإصرار على إدارة ممركزة حصريّة تفصيليّة مباشرة لمؤسّسة تضمّ حوالى 80000 طالب وطالبة، وحوالى 7000 أستاذ وأستاذة، وحوالى 2000 موظّف وموظّفة. في المنطق الاداري البحت، أضحى مثل هذا التكاثر لا يطيقه نظامُ الإدراة المركزيّة الواحدة. أمّا في المنطق الاجتماعيّ الثقافيّ اللبنانيّ، فإنّ الديموغرافيا الراهنة تضطرّ إدارة الجامعة إلى تجاوز أعراف المناصفة الطائفيّة. والظنّ أنّ معايير الكفاءة العلميّة هي وحدها التي ينبغي أن تُعتمد في الانتماء إلى الجامعة اللبنانيّة. هذا القول يصحّ في المجتمعات الموحّدة، ولا يصحّ على الإطلاق في الاجتماع اللبنانيّ الفسيفسائيّ. وليس يُبطل هذه الفسيفساء اعتمادُ المعايير الأكاديميّة في التوظيف الجامعيّ. هذا إنْ اعترف الجميعُ بأنّ الأساتذة الذين يتعاقدون مع الجامعة اللبنانيّة منذ نهاية الحرب اللبنانيّة هم في أغلبهم من أهل الاستحقاق العلميّ الوطيد. النتيجة الوحيدة لاعتماد المعايير الأكاديميّة وحسب هي تهميش المسيحيّين في الجامعة اللبنانيّة لأنّ الاختلال الديموغرافيّ سيُفضي إلى مثل هذا الواقع الجديد. أمّا إذا اقترنت المعايير الأكاديميّة بمستلزمات المعايشة اللبنانيّة الحقيقيّة، على غرار ما يجري في المجتمعات المتنوّعة (سويسرا، بلجيكا، كندا، ألمانيا)، فإنّ المجتنى يكون أنضج وأخصب وأشدّ قابليّةً للإعمار الإنسانيّ الفكريّ الراقي.

قد تباغت هذه المقاربةُ بعضًا من زملائي في الجامعة، وهم يعلمون أنّي من دعاة العَلمانيّة الهنيّة في لبنان وفي أوطان العالم العربيّ. بيد أنّ النظر المتأنّي في طرحي سيبيّن مدى ثباتي على مبدأ العَلمانيّة الهنيّة. يقيني أنّ الحلّ الواقعيّ الأنسب هو في الزمن الراهن هذه العَلمانيّة الهنيّة، وفي صلب مقتضياتها أن يصون المرءُ التنوّعَ الإنسانيّ في المجتمع، من غير أن ينتصب التصوّرُ الدينيّ الواحد مرجعيّةً حصريّةً في تدبّر المجال العموميّ اللبنانيّ. ذلك بأنّ الاجتماع الساميّ المشرقيّ العربيّ يصعب عليه الانتقالُ من التديّن الفطريّ الذي اختبره منذ أقدم العصور إلى العَلمانيّة الشاملة التي اعتمدتها معظمُ المجتمعات الغربيّة. وفي ظلّ الاحتراب الأيديولوجيّ الضارب في عمق المجتمعات العربيّة لا يمكن المجتمع اللبنانيّ أن ينأى بنفسه، فينصرف إلى عَلمانيّة شاملة في بضع من السنوات. فالطوائف اللبنانيّة، شئنا أم أبينا، ما فتئت هي مصدر الانتماء الأوّل في الوعي الفرديّ اللبنانيّ، وهي مرجع تكوّن الهويّة الذاتيّة، وهي مستند التصوّر الذاتيّ للكون وللإنسان وللتاريخ. وما من دليل على أنّ اللبنانيّين الذين يعيدون إنتاج طبقتهم السياسيّة الطائفيّة يريدون حقًّا أن يبدّلوا في مسالك ذهنيّتهم. ومن ثمّ، فإنّي أنادي بعَلمانيّة هنيّة تضع المجال العموميّ اللبنانيّ في نجوة من هيمنة التصوّرات الدينيّة الذاتيّة، وتسيّجه بأحكام الحياد التشريعيّ، ولكنّها تصون للطوائف اللبنانيّة ذاتيّتها، وتهبها القدرة على الإسهام الإيجابيّ في تهذيب الفسيفساء اللبنانيّة وصقلها وتعزيز بهائها. إنّها العَلمانيّة التي لا تطلب شيئًا لذاتها، بل جلّ مقاصدها أن تحمي الطوائف من غلوائها ومن محن استبداداتها ومن تجارب انحرافاتها. هي العَلمانيّة التي تعصم اللبنانيّين من الاحتراب لأنّها تصون الذات في كلّ ذات جماعيّة، وتراعي الاختلاف، وتعزّز التحاور والتفاعل والتعاون والتقابس. هي عَلمانيّة تقتطف محاسن العَلمانيّة الراديكاليّة الغربيّة ومحاسن الطائفيّة الراديكاليّة المشرقيّة، وتجتنب مساوئهما على حدّ السواء. ليست هي عقيدةً من العقائد، بل وظيفةٌ معياريّةٌ بها ينضبط وينتظم الحيادُ الإيجابيّ في المجال العموميّ اللبنانيّ.

العَلمانيّون الراديكاليّون الذين يريدون للجامعة اللبنانيّة في هذا السياق المتأزّم أن تعتمد حصرًا المعايير العلميّة في اختيار الأساتذة يفوتهم أنّ الجامعة اللبنانيّة يأتي إليها أناسٌ هم من نسيج الاجتماع اللبنانيّ الفسيفسائيّ الذي تنتظم أحكامُه وفاقًا للدستور اللبنانيّ الطائفيّ وللأعراف الطائفيّة السائدة في تأوّله. إصرارُهم على العَلمانيّة الراديكاليّة في الجامعة اللبنانيّة، في حين أنّ المجتمع اللبنانيّ كلّه سائرٌ اليوم في خلاف هذا الاتّجاه، يعني عمليًّا عزل اللبنانيّين المسيحيّين وعزل العَلمانيّين أنفسهم عن الاشتراك في تحمّل مسؤوليّة الجامعة اللبنانيّة. من حسنات طرحهم أنّهم يساعدون على تنقية الوعي اللبنانيّ من أضرار الطائفيّة. أمّا الطائفيّون الراديكاليّون، فإنّهم يحافظون على التوزيع الطائفيّ المختلّ باختلال الديموغرافيا اللبنانيّة، ولكنّهم يمعنون في مناصرة مصالح الطائفة وإسقاط مصلحة الجامعة اللبنانيّة، ويفاقمون التقوقعَ الطائفيّ الذي يُفضي حتمًا إلى التصارع الطائفيّ على المناصب وإلى إزكاء الفتنة والاحتراب والتقاتل.

من التطبيقات العمليّة لهذه العَلمانيّة الهنيّة في قرائن الجامعة اللبنانيّة أن يُصار فيها إلى تعزيز التنوّع على أساس الوحدة المصيريّة، وإلى مناصرة الانفتاح على أساس الانتماء المشترك، وإلى رعاية الاختلاف على أساس المسعى الفكريّ الثقافيّ الأكاديميّ الأسمى. هذا كلّه لا يتأتّى للجامعة اللبنانيّة وهي على هذه الحال من الاضطراب الكيانيّ ومن استرهاب التنوّع. عندما كانت الجامعة اللبنانيّة في مهد تأسيسها حاضنةً للنخبة من الطلّاب اللبنانيّين في قرائن الديموغرافيا السائدة في الستّينيّات من القرن العشرين، لم تكن بها حاجةٌ إلى الانتشار والتكاثر. أمّا اليوم، فالحال مختلفةٌ في لبنان، ديمغرافيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا وسياسيًّا. ومن أخطر التبدّلات الاجتماعيّة تضاؤل أعداد اللبنانيّين المسيحيّين، وتضاعف أعداد اللبنانيّين المسلمين، واندثار الانتماء العَلمانيّ الحقيقيّ الذي كان يحلم به دعاةُ التنوير والإصلاح في الاجتماع اللبنانيّ والعربيّ الحديث. فإذا أراد اللبنانيّون المسلمون، وأخصّ منهم اللبنانيّين الشيعة الذين يضطلعون اليوم بمسؤوليّة إدارة الجامعة اللبنانيّة بحسب التوزيع الطائفيّ السائد، أن يصونوا التنوّع اللبنانيّ في صلب البنى الأكاديميّة والإداريّة في الجامعة اللبنانيّة، كان عليهم أن يسارعوا إلى تعديلات خطيرة في نظام الجامعة اللبنانيّة، ومنها اعتماد معيار الكفاءة العلميّة مقترنًا اقترانًا وثيقًا بمعيار المناصفة العادل، وتعزيز اللامركزيّة الإداريّة الموسّعة المنفتحة، والاضطلاع بجماعيّة المسؤوليّة المشتركة على نحو ما هو سائدٌ في الإدارة اللبنانيّة. بناءً على هذا التعديل الجوهريّ، يكون الوقت قد آن لتشريع بعض من الاستقلاليّة الإداريّة في الفروع بحيث تنشأ لنا جامعاتٌ لبنانيّةٌ في مستوى المحافظات يجمعها المسعى الأكاديميّ الواحد، والحرصُ التنوّعي الصادق، والمسؤوليّةُ الوطنيّة المرهفة، ويظلّلها مجلسٌ أكاديميّ أعلى يشرف فيها على الروح والجوهر والأسُس والأصول والمبادئ، ويرئسها نوّابٌ لرئيس الجامعة على غرار ما يجري في إدارة مصرف لبنان. أمّا التدابير الإداريّة، فيضطلع بها كلّ مجمّع على حدة. وعلى مثال المدن الإنسانيّة الراقية التي تفرّعت فيها الجامعةُ الواحدة إلى جامعات متعاضدة متكافئة متكاملة، تنصرف كلُّ جامعة لبنانيّة، وقد استرشدت خطّة التوجيه التي يضعها المجلسُ الأكاديميّ الأعلى، إلى تعزيز هذا المنحى العلميّ أو ذاك، وإلى التعمّق في هذا الحقل المعرفيّ أو ذاك، واضعةً طاقاتها في خدمة حاجات المحافظة التي تنتشر فيها. في هذا الاقتراح جرأةٌ كبيرةٌ أستمدّها من خلفيّة تصوّري للواقع اللبنانيّ الأرحب. فالجميع يدركون أنّ الاختلال الديمغرافيّ في لبنان قد يُفضي إلى انعزال اللبنانيّين المسيحيّين وانكفائهم عن المشاركة في المسؤوليّة الوطنيّة. وفي هذا أفدحُ الخسائر للرسالة اللبنانيّة الحضاريّة. وحده فعلُ الاستثناء الحضاريّ يمكنه أن يصون الواقع اللبنانيّ من هذا الانهيار. أعني بهذا الفعل أن يعمد أهلُ الكثرة اللبنانيّة، وفي مقدّمتهم اللبنانيّون الشيعة واللبنانيّون السنّة، إلى فعل تضحية حضاريّة أو إخلاء كيانيّ راقٍ يُملي عليهم فصلَ التكاثر الديموغرافي عن الاستئثار بالمجال العموميّ واحتكار الإدارة ومضاعفة القوّة. بفضل هذا الفعل الحضاريّ الخطير يتيح الدهر للبنان أن ينجو من منعطفات التاريخ المقبلة عليه، وتستطيع الإدارةُ اللبنانيّة أن تصون ذاتها من الغلوّ الفتّاك، ويتهيّأ للجامعة اللبنانيّة أن تستمرّ وتزهو وتتألّق. ليس في ذلك استعطاءٌ أو استرحامٌ للبقيّة الباقية من اللبنانيّين المسيحيّين، بل استنهاضٌ للواجب الوطنيّ الذي ينبغي أن تستهدي به الجماعاتُ اللبنانيّة المسلمة. ذلك بأنّ اختلال التوازن الطائفيّ في الجامعة اللبنانيّة، وهي موئلُ التفكير النقديّ والإبداع الحضاريّ في صون الهويّة اللبنانيّة وصون مبدأ التنوّع في الثقافة العربيّة وفي المجتمعات العربيّة، ينبئ عن اختلال التوازن الطائفيّ في البنية اللبنانيّة بأجمعها. وليس ينفع اللبنانيّين المسيحيّين أن يتعزَّوا بجامعاتهم الخاصّة لأنّها لن تقوى على صون الإسهام الفكريّ المسيحيّ في لبنان وفي العالم العربيّ إنْ سقط الإسهامُ الفكريّ المسيحيّ في الجامعة اللبنانيّة. وهو ساقطٌ إذا ما أصاب المسيحيّين في الجامعة اللبنانيّة إضعافٌ وإرباك وتهميشٌ فعزلٌ وإقصاءٌ.

أستاذ في الجامعة اللبنانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى