آراءمقالات

17 تشرين…لماذا هي الحل؟

“تستطيع أن تجرّ الحصان بالقوة إلى البركة، لكن ليس بمقدورك إرغامه على شرب الماء”.

يتلهى البعض بالبحث عما إذا كانت 17 تشرين ثورة أم تمرد أم انتفاضة أو حراك. ويجادل البعض الآخر ما إذا انتهت أو ما زالت حيّة تُرزق. وبين الاثنين، هناك من يجد فرصة لإقامة جردة حساب، للإنجازات والـأخطاء، ليبني على ما خلص إليه مقتضاه.

ومن الآخر يمكن القول، الثورات لا تشبه بعضها، وليس هناك “باريم” كوني لها، وعلى أساسه يجري تصنيف هبّات الشعوب ما إذا كانت ثورة أو ميني ثورة أو أقل. لكل ثورة ظروفها وقوانينها تتشابه أحداثها وتختلف تبعا لكل منها، ويكفي النظر إلى الكاتالوغ العالمي للثورات، لنحار على أي ثورة نحاكم 17 تشرين. هل نقيسها على الثورة الفرنسية أم الروسية أم الصينية أم الإيرانية أم الثورات التي سميت بالملونة أو ثورات الربيع العربي  أم ثورات العسكريين وانقلاباتهم. هذا التنويع يجعل النقاش في توصيف 17 تشرين بلا طائل ولا نتيجة.

كانت 17 تشرين فرصة ثورية، وهذه الثورية مستمدة من الواقع الذي تصدت له 17 تشرين. بلد منهار اقتصاديا، عاجز عن حل أزماته المستديمة، دولته تتآكل من الداخل والخارج، حياة سياسية ملوثة بسموم الطائفية والقبلية، إدارة فاسدة، طبقة سياسية مرتهنة للخارج وطبقة حاكمة مكشوفة لا تصلح وغير مؤهلة لتولي شؤون شعب ولا تملك تصورا للإنقاذ.

ماذا كان المطلوب من 17 تشرين؟ غير قول الحقيقة، وهي أن التايتانيك اللبنانية تغرق، ولا فائدة من مواصلة الاستماع إلى الفرقة الموسيقية ومعزوفاتها المضجرة عن التحرير والانتصارات وحقوق المسيحيين وحماية الطائف. البلد غمرته الديون، والدول الغربية لن ترمي له العوامات هذه المرّة لا بمساعدات ولا هبات، ما لم يبادر أهله إلى إصلاح الثقوب السوداء في سفينتهم الآخذة في الاتساع بفعل سياسات النهب واللصوصية التي تمارسها الطبقة الحاكمة.

في 17 تشرين قال اللبنانيون كلمتهم يريدون التغيير. وقياسا على ما قبل 17 تشرين، كان ما أراده اللبنانيون بالتغيير كلمة كبيرة لم يعتاد من هم في سلطة بلدنا على سماعها. كانت كلمة من وزن الثورات المعروضة في الكاتالوغ العالمي. وكما كل الثورات، لا ثورة تبدأ مكتملة، مع الوقت تبلور قيادتها وبرنامجها وأهدافها ومراحلها وهذا ما كان المفترض أن يحدث.

لا أحد قبض ثورية 17 تشرين، بمثل ما فعلت أحزاب السلطة. فلم يكن تهديد السيد نصرالله للثوار بالحرب الأهلية واتهامهم العمالة للخارج سوى تعبير عن خوفه وخوف حلفائه الآخرين من انتصارها. كان الشغل الشاغل لأحزاب السلطة كل على طريقته هو الإطاحة ب 17 تشرين. حزب الله وأمل بالهجوم المباشر على الثوار واستفزازهم بشعارات مذهبية بغيضة “شيعة شيعة”. وليد جنبلاط بال”تمريك” على هؤلاء الثوار بالمرور على حواجزهم وملاطفتهم بخبث وغرضية. بينما جبران باسيل وسمير جعجع وسعد الحريري بالإدعاء أنهم في صفوفها وجزء منها.

إلى أن دخل فيروس كورونا على الخط ليعضد الفيروسات المذهبية والطائفية التي تنشرها أحزاب السلطة. لقد فرض كورونا مناخا آخر، ببثه الذعر في نفوس البشرية كلها واستحوذ على اهتمامهم، ومن بينهم اللبنانيون. وهكذا، أجبر كورونا 17 تشرين على قمع ذاتها بالحجر الإلزامي والإقفال العام، ومنح بالوقت نفسه أحزاب السلطة الزمن الكافي على التقاط انفاسها.

حتى الآن لم ينجح 17 تشرين في فرض التغيير، لكن رسّخ في أذهان الجميع، سلطة وأحزابا وشعبا أن الاستمرار بالواقع الحالي مرفوض ولن تكتب له الحياة ودوام هذه الحال هي من المحال. صحيح، أن الوقت ما زال متاحا لأحزاب السلطة لاستعادة اللبنانيين إلى زمن ما قبل 17 تشرين، بحقن الواقع بأبر المذهبية والطائفية ولتجديد شبابهم السياسي بانقساماتهم السخيفة على غرار أحداث الطيونة، لكن هذه ألاعيب قصيرة الأجل سبق تجريبها. هناك حقائق لم يعد بإمكان أحزاب السلطة طمسها، ستعاود الظهور وتفرض نفسها على الجميع.

وعليه، تستطيع أن أحزاب السلطة أن تحكمنا على طريقة المزرعة، لكنها لا تستطيع إرغامنا على التسليم بأننا في دولة..الشعب يريد الدولة، وهذا ما غرسته في أذهانه 17 تشرين.

مناطق نت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى