متابعات

ماذا يقصد نصرالله ب “ما قبل ال تي فور ليس كما بعده”؟

حسين حمية

وصف الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله (في كلمة اليوم بمناسبة اتخابية ) الغارة الإسرائيلية الأخيرة على القسم الذي يشغله عسكريون إيرانيون في مطار تي فور السوري بأنه حادثا مهما ومفصليا في وضع المنطقة، ما قبله شيء وما بعده شيء آخر، ولا يمكن العبور عنه ببساطة، هو مفصل تاريخي.

السبب معروف، هو  أن الإسرائيلي في هذه الغارة هو في مواجهة مباشرة مع إيران، بالسابق كان تتم هذه المواجهة بالوكالة، كان حزب الله يفصل بينهما، لذا الضربة الأخيرة سيختلف التعامل معها عن الهجوم الإسرائيلي في الجولان بال 2015 والذي أدى مقتل مسؤولين في حزب الله وضباط في الحرس الثوري الإيراني، وكذلك لم يكن ليؤدي انتقام حزب الله وقتذاك بقتله عسكريين إسرائيليين اثنين إلى إثارة قلق من نشوب مواجهة إيرانية إسرائيلية.

كما هناك أكثر من ضربة إسرائيلية لم تطلق مخاوف حربية كما اليوم، مع أن هذه الضربات استهدفت الإيرانيين والسوريين وحزب الله، فقد تم قصف مواقع استعلامية إيرانية في الجولان، وفي أيلول الماضي تم قصف منشأة في مصياف زعم الإسرائيليون أنها لتصنيع الصواريخ، وفي كانون الأول تم استهداف قاعدة بنتها إيران في شمال دمشق، وفي 10 شباط اسقط الإسرائيليون طائرة درون إيرانية، ثم قصفوا قاعدة تي فور نفسها وقتل 4 مستشارين إيرانيين، وعندما إسقطت الدفاعات الجوية السورية طائرة إسرائيلية إف 16 قصفت إسرائيل عدة أهداف إيرانية وسورية في اليوم نفسه.

المواجهات السابقة ومعها قصف الإسرائيليين قوافل سلاح لحزب الله، كانت مضبوطة بما يُسمى قواعد الاشتباك بين الطرفين في سوريا، وكان هناك اتفاق روسي إسرائيلي يضمن لتل أبيب حماية مصالحها الأمنية، ولم يكن الحل السياسي للمسألة السورية آخذ بالارتسام كما هو اليوم بعد إمساك محور روسيا إيران تركيا بمعظم خيوط اللعبة في بلاد الشام.

الضربة الإسرائيلية الأخيرة للإيرانيين في مطار تي فور، تمت تحت عنوانين مختلفين عن الاحتكاكات السابقة، الاول معالجة ما تعتبره تل أبيب أخطار استراتيجية ستتعاظم في حال تثبيت طهران وجودها العسكري والأمني والاقتصادي في سوريا، والثاني المواجهة المباشرة مع إيران نفسها داخل سوريا، وكلا الأمرين بات خارج الاتفاق الروسي الإسرائيلي في سوريا.

تأكيدا لهذا، توعد مستشار المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية علي أكبر ولايتي من دمشق بأن بلاده سترد على الاعتداء الإسرائيلي ولن تسمح بمرور مثل هذه الجريمة من دون العقاب. وبالوقت الذي لم تعترف تل أبيب بأنها وراء قصف الإيرانيين في التي فور وعدم معرفتها به، أطلق كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزيره افيغدور ليبرمان تحذيرا  يتضمن عبارة مشتركة، وهي “لن نسمح لإيران بالتمركز في سوريا”.

يرتبط التوقيت الإسرائيلي لغارته الأخيرة، بمنع كل من دمشق وموسكو وطهران وأنقرة، من البناء على المكاسب الأخيرة الذي حققها هذا المحور، وهي تؤهله للانفراد في وجهة الحل السوري خصوصا بعد مؤتمر انقرة الثلاثي الذي عالج التباينات بين الإيرانيين والأتراك، فلم يعد مضغوطا عسكريا بالتصدي للفصائل المسلحة، وبات النظام السوري قادرا على استعادة عافيته العسكرية والأمنية وإطلاق حملة إعادة الإعمار في أكثر من منطقة تخضع لسيطرته بمساعدة حلفائه.

يدرك الإسرائيلي ان الروسي يفضّل التسوية وليس الحرب بين تل أبيب وطهران، لأن اي مواجهة بينهما في سوريا تطيح بكل إنجازاته التي راكمها منذ تدخله العسكري في الأزمة السورية، ومن مصلحته الحفاظ على الطرفين معه، لأنه يعلم أن خسارته تل أبيب أو طهران سيرتد إثارة لمشاكل لا تحصى تقوض مساعيه السورية وتضعها في مهب الريح.

منذ قيامه بالهجوم على قاعدة التي فور، الجيش الإسرائيلي في تأهب أمني، ويتصرف على أن الرد الإيراني قادم لا محالة، وهو يتوقعه في اي وقت، لكن هناك قناعة عسكرية إسرائيلية، بأن الانتقام الإيراني لن يكون عشوائيا، وستتم هندسته بطريقة لا تمنح تل أبيب عذرا للقيام برد أقسى يتحول إلى منزلق لحرب شاملة، ستقدح نيران التوتر الأميركي الروسي على خلفية الكيميائي في دوما.

الإعلام الإسرائيلي يتحدث عن أن الجيش الإسرائيلي سيقوم برد فوري على أي رد إيراني، وأن نتنياهو أبلغ بوتين بأن تل أبيب لن تسمح بالتمركز الإيراني في سوريا، وكان قول رئيس أركانه غادي ايزنكوت عن احتمال قيادة جيشه لحرب كبيرة هذه السنة، تهديد نصف مبطن لإيران بالحرب الشاملة، لكن مع هذا، طهران سترد، وما يحفزّها على الرد أكثر ليس الانتقام وحده، إنما الرفض أن تكون قواعد الاشتباك تحت عنوان إخراجها من سوريا، البلد الذي استثمرت فيه طاقات كبيرة وهائلة في العسكر والسياسة والبشر والاقتصاد.

الغارة على التي فور لم تنته، هناك تطورات بدأت في الارتسام في فضاء المنطقة، وهي تقترب من الهبوط على الأرض، نصرالله اليوم أعطى علما بالذي سيكون،  ما قبل التي فور  ليس كما بعده. إنها رسالة أخرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى