انتخابات

ميشال حلو في “لوموند”…بعث الأمل في لبنان بإعادة بناء الأمّة

 “لبنان كما عرفناه سابقا لم يعد موجودا”، هذا ما يجب أن يقتنع به اللبنانيون ولو استدعى ذلك منهم العض على نوستالجيتهم. الاكتفاء يشعارات لاسترجاع هذا ال “لبنان” من قبيل “رفع الاحتلال الإيراني”، أو “محاسبة الفاسدين” و”استرداد الأموال المنهوبة” و”حقوق المسيحيين” و”الإحباط السني” وغيرها. هذه كلها صغائر سياسية واقتصادية واجتماعية، لا تحتاج إلى اختبارات وامتحانات للكشف عن سخافتها وتفاهتها. لبنان يحتاج إلى أفكار كبيرة، أفكار تأسيسية، من وزن إعادة بناء أمّة.

نعيد نشر مقال بصحيفة “لوموند” الذي يدافع فيه ميشال حلو، المدير السابق ليومية “لوريان لوجور” والمرشح للانتخابات التشريعية، عن مشروعه السياسي لإعادة إحياء لبنان، والقائم على ثلاثة محاور رئيسية: تجاوز الطائفية، تعزيز الاقتصاد الوطني، والسعي لضمان استعادة سيادته.

حسب ميشال حلو فإن لبنان كما عرفناه سابقا لم يعد موجودا لأنه اليوم انهار ويحتاج قبل كل شيء إلى جرعة كبيرة من الأمل والتضحية.

واحد من كل ثلاثة أطفال يخلدون إلى النوم وبطونهم فارغة، لبنان بلد يعاني في قلب منطقة تشهد اضطرابات، وانهيار العملة اللبنانية يرمز إلى أحد أعنف الإخفاقات الاقتصادية في العالم الحديث.

والأسوأ من ذلك، أن مستقبل البلد سيضيع على المدى الطويل: فالهجرة التي أصبحت نزوحًا، تهدد اليوم وجود لبنان وقدرته على التعافي.

لكن جذر المشكلة يتعلق بالقضايا السياسية بالإضافة إلى الفساد، فعدم قدرة هذا النظام على إيجاد الطريق لصنع القرار الجماعي هو الذي يشل مؤسسات لبنان.

لقد وضعت الطبقة الحاكمة ما يسمى بالديمقراطية “التوافقية” محل نظام المساومة القبلية. هذه هي الرسالة الأساسية التي انبثقت عن انتفاضة أكتوبر 2019، عندما نهض جيل كامل لطرد شياطين الماضي، وأثبتت أن الأمة اللبنانية يمكن أن تتشكل.

من المسلم به أن الأقواس أغلقت بسرعة كبيرة: من خلال القيام برهان ساخر على الجمود والانحلال، ويبدو أن قوى الثورة المضادة قد انتصرت في المعركة.

الانسجام المدني بدلا من الخلاف المدني

يجب أيضًا أن نتحمل جزءا من المسؤولية عن هذا الفشل المؤقت، ففي البداية كان الجميع ينشد شعار “كلهم يعني كلهم”، والتي تشير بدقة شديدة إلى التحالف الموضوعي لقادة التيارات المختلفة، لكن يجب بالأساس توضيح الهدف وتوحيد الجهود وتحويل الإمكانات إلى نفوذ. يجب تقبل أن نكون أقل طموحًا بشأن ما نحن عليه، وأكثر طموحًا بشأن ما يمكن أن نكون عليه. من نحن اللبنانيين؟ وماذا نريد؟

هذا الدور الذي حاولت أن ألعبه قبل ست سنوات عندما قررت من خلال مهنتي، تعزيز دور لبنان كقوة مضادة في فترة حرجة بالنسبة للصحافة اللبنانية. والآن لقد حان الوقت لمساعدة بلدي بطريقة أخرى: من خلال مساعدة اللبنانيين على استعادة السلطة من أولئك الذين صادروها.

موقف مهم ومثير للسخرية في نفس الوقت أواجهه لأول مرة، فكيف تريد المحاولة عندما يبدو أن كل شيء قد ضاع؟ الجواب الذي يخطر ببالي بسيط: كيف يمكننا أن نستسلم قبل أن نجرب كل شيء؟ هذا التناقض الذي ينشأ بدرجات متفاوتة في الحياة كلها يواجهها كل من ينخرط في الحياة السياسية في لبنان.

ولهذا قررت الانضمام إلى الكتلة الوطنية والدفاع عن أفكارها في الانتخابات التشريعية المقبلة. وريث الفكر الليبرالي لريموند إده (1913-2000)، تم تجديد هذا الحزب التاريخي بشكل عميق ليصبح منبرًا وطنيًا علمانيًا، يتمثل دوره في اقتراح رؤية للبلاد وليس الدفاع عن مجتمع، والمراهنة على الانسجام المدني بدلاً من الخلاف المدني، لتكريس ممارسة القوة كعمل ومسؤولية للجميع، بدلاً من فرصة لعدد قليل للقيام بأعمال تجارية.

تجسيد الهوية اللبنانية

مشروعنا يتمثل في تجاوز الطائفية، وإعادة بناء الاقتصاد والتماسك الاجتماعي، واسترداد سيادة لبنان، إذا لم تكن هذه الأفكار جديدة، فإن كل نقطة منها تبدو مستعجلة، علما أن كل ذلك سيستغرق وقتًا ولكن يجب تنفيذها في وقت واحد.

ومن خلال إثبات الجنسية ننجح في الخروج من “الهويات القاتلة” التي ندد بها أمين معلوف. وبعيدًا عن التغييرات الدستورية المتعلقة بالمساواة في الحقوق، وإزالة الطابع الشرعي عن الدولة، وتوحيد الأحوال الشخصية وتطبيق الزواج المدني، فإن الأمر يتعلق بالدرجة الأولى بضرورة إحداث تغيير عميق في العقليات، يجب على كل واحد أن يفهم أن كونه مولودًا من دين مختلف عن الآخرين، لا يعني بالضرورة الخوف من الآخر.

لم يعد كافياً تصور لبنان كبلد للأقليات المرتبطة فيما بينها، كما افترض جدي الأكبر ميشيل شيحا، المهندس الرئيسي للدستور اللبناني.

إذا كانت هذه الصيغة قد جعلت من الممكن في ذلك الوقت بناء بلد فريد في المنطقة، فالأمر متروك لنا الآن لتجسيد هذه الهوية اللبنانية، بما في ذلك الخصوصيات الدينية والجغرافية، التي تجسد مغامرتنا المشتركة. لإثبات أن هذه الهويات لن تتم حمايتها بشكل أفضل مما هي عليه في إطار دولة قوية محمية من السلطات العشائرية والطائفية.

ضمان دولة ذات سيادة

ومن اللافت للنظر رؤية إلى أي مدى تتلاشى الخلافات المذهبية عندما يكون اللبنانيون خارج بلادهم. الاعتراف بالآخرين وحسن الضيافة تشكل جوهر الثقافة اللبنانية، لذا فإن السعي لإبادتهم هو وضع صليب على رأس مال لا يقدر بثمن. لهذا وكما كتب الإمام الشيعي محمد مهدي شمس الدين: “لن يولد لبنان إلا في اندماج ووحدة شعبه”.

بعد ذلك، سيتعين علينا أن نصلح بعمق اقتصادًا يفترض أنه “ليبرالي”، والذي يمنع المنافسة الاقتصادية النزيهة بإخضاعها للمحسوبية، بينما يجبر آلاف الشباب إلى الهجرة كل عام.

اقتصاد غير منتج، كان يدين بمعظم نموه لتضخم القطاع المالي، وانتهى به الأمر بالغرق معه. الآن يجب إعادة إحياء حرية المقاولة والمبادرة الخاصة، دون إغفال ضمان العدالة الاجتماعية من خلال إعادة توزيع ثمار الازدهار بشكل عادل.

يجب أيضا ضمان دولة ذات سيادة كاملة، وهذا يتطلب قبل كل شيء الحياد الذي يحفظ لبنان من التوترات التي تمزق جواره، وقضاء مستقل قادر على تطبيق قراراته.

ولكن في المقابل، كيف لنا أن نتخيل دولة ذات سيادة كاملة في وقت تتعرض سلطتها باستمرار لتحد من قبل ميليشيا مسلحة، تمولها وتوجهها دول أجنبية؟ بدلاً من مقاومة إسرائيل، تقاوم ترسانة حزب الله الآن الشوق إلى التغيير الذي ينشده اللبنانيون. الأمر متروك لنا لبناء معارضة علمانية لهذا الحزب، وهي المعارضة الوحيدة التي يمكنها حقًا إضعافه.

الثروة والصدمات

الدائرة الانتخابية التي أتيت منها وحيث أترشح، بعبدا، هي واحدة من أكثر الدوائر إشكالية. تحتضن الضاحية الجنوبية لبيروت ذات الأغلبية الشيعية، وكذلك الجبال المحيطة ذات الغالبية المسيحية، مع طائفة درزية كبيرة.

في مواجهة هذا التشرذم والإحصاءات الانتخابية، تضاءلت الآمال في تحقيق النصر. لكن الرهان حاسم: بعبدا تحتوي على ما يملكه لبنان من ثروة وصدمة، وعلى هذا الخط الفاصل القديم سنداوي جراحنا أخيرًا.

هذا هو معنى التزامي ومعنى النداء الذي أريد أن أوجهه إلى جميع المواطنين والمقيمين والمغتربين: دعونا نحتفظ بالأمل في مستقبل “بلد الرسالة”.

القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى