ثقافات

“لا تصالح” لأمل دنقل…ديوان الأمس وصية اليوم

ميرنا دلول

بين الأمس واليوم قواسم مشتركة كثيرة، وبين تاريخنا العربي البعيد وتاريخنا العربي ‏‏‏الحالي سمات تكاد تتطابق بشكل فريد، ولأن الشاعر المصري الراحل ” أمل دنقل ” لم يكن ‏‏‏نبياً، بل كانت له قراءة نادرة للتاريخ العربي وأحداثه، إستطاع بأسلوبه الجاذب أن يُروّض ‏‏‏الأحداث ويُسقطها على القصيدة.‏
‏” أقوال جديدة عن حرب البسوس “، ليس ديوانَ شعرٍ أو نصّاً مسرحياً فحسب، وليس ‏‏‏إستعراضاً لتلك الحرب الشهيرة التي إستمرت أربعين سنة، فهذا الشاعر المتألم من تردي ‏‏‏الأوضاع العربية، تفتّحت عيناه على النكبة وعايش النكسة وهلّل للعبور وشاهد بعينيه ‏‏‏النصر وضياعه، وصرخ مع كل من صرخوا ضد‎ ‎معاهدة كامب ديفيد، ووقتها أطلق رائعته ” ‏‏‏لا تصالح‎” ‎، والتي تُعتبر درة الديوان، والتي نحتاج إلى هذه الرؤية ونحن نعيش خنوعاً ‏‏عربياً على مستوى الأنظمة إزاء قضية فلسطين المحتلة وقدسها الشريف.‏
يحاول أمل دنقل أن يستحضر ماضياً تاريخياً مجيداً من تاريخ الأمة العربية، ليستبدل به ‏‏الماضي المتردي في الذل والخنوع، ولعله في ذلك يذكر أن المجد العربي لم يكن في العصر ‏‏الجاهلي فقط بل إستمر عصوراً بعيدة بعد ذلك، وهو يريد منا الرجوع إلى هـذا الماضي ‏‏لنشعر بالذنب، ويحاول أن يستلهم مظاهر المجد والقوة من هذا الماضي الغابر، ثم يعلن ‏‏وصيته واضحة قاطعة كالسيف :‏
‏ لا تصالح على الدم.. حتى بدم
لا تصالح ولو قيل رأس برأسٍ
أكلُّ الرؤوس سواءٌ
أقلب الغريب كقلب أخيك
أعيناه عينا أخيك؟‎!‎
وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك
بيدٍ سيفها أثْكَلك
سيقولون ‏‎:‎
جئناك كي تحقن الدم ..‏
قام دنقل بإستحضار شخصيات ” حرب البسوس ” التي قامت بين أبناء العمومة وإستمرت ‏‏‏أربعين سنة، بسبب مقتل الملك كليب على يد جسّاس، ولأن العنوان يصرّح بأنها ” أقوال ‏‏‏جديدة ” فهذا يعني بأنّه يسقط أحداث تلك الحرب على أحداث هذا العصر، عن طريق رؤيا ‏‏‏معاصرة، وقد حاول أن يجعل من كليب رمزاً للمجد العربي القتيل، أو للأرض العربية ‏‏‏السليبة، التي تريد أن تعود إلى الحياة مرة أخرى، ولا يرى سبيلاً لعودتها، أو بالأحرى ‏‏‏لإعادتها إلا بالدم، والدم وحده، وهذه المجموعة عبارة عن قصائد مختلفة إستحضرت ‏‏‏شخصيات الحرب، وجعلت كلاً منها يدلي بشهادة تاريخية حول رؤيتها الخاصة، ومن ‏‏‏الطبيعي أن يكون لكل من هذه الشخصيات شهادتها المختلفة عن شهادة الأخرى .‏
‏لا تصالح
ولو توَّجوك بتاج الإمارة
كيف تخطو على جثة ابن أبيكَ..‏
وكيف تصير المليكَ
على أوجهِ البهجة المستعارة
كيف تنظر في يد من صافحوك
فلا تبصر الدم
في كل كف؟
إن سهمًا أتاني من الخلف ‏‎..‎
سوف يجيئك من ألف خلف
فالدم الآن صار وساماً وشارة ..‏
‏في هذه المجموعة عاد الشاعر إلى لعبته الأثيرة، لعبة الأقنعة، فاتخذ من شخصيات ” حرب ‏‏‏البسوس “، أقنعة ليتحدّث بألسنتها عن ضرورة الثأر لإسترجاع الحق السليب، والأراضي ‏‏‏المغتصبة، وطبعاً قيمة الثأر التي يؤكّد عليها ليست تلك القيمة القبلية القبيحة، وإنما هي ‏‏‏قيمة تشمل المقاومة والنهوض والصحوة، فالثأر لدى دنقل إرتبط بمعايشته للواقع من خلال ‏‏‏المعطيات السياسية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية، فتشكل في اتجاهين : الأول داخلي، ‏‏‏والثاني خارجي، ففي الداخل، تأثر الشاعر بالفروق الطبقية بين فئات الشعب المصري، ‏‏‏وعانى من ويلاتها، خصوصاً مع تزايد أعداد الفقراء، فوقف منها موقف الرفض والنفور ‏‏‏والتمرد، أما على المستوى الخارجي، فقد إرتبط الثأر بمحاولة إسترجاع حق مسلوب وأرض ‏‏‏مغتصبة من يد العدو الإسرائيلي .‏
إنها الحرب
قد تثقل القلب
لكنَّ خلفك عار العرب
لا تصالح
ولا تتوخ الهرب .. ‏
وبالنظر إلى قصيدة ” لا تصالح ” نجد أنها تقوم على فعل واحد يتكرر دائماً ، وهـو ” لا ‏‏‏تصالح ” ، إذ تكرر ثلاثاً وعشرين مرة ، وهو يتكرر في كل وصية مرتين ، مـا عـدا الوصية ‏‏‏الخامسة التي تكرر فيها ثلاث مرات، والوصية السابعة مرة واحدة ، ويكرر الشاعر الفعل في ‏‏‏الوصية الأخيرة مرتين دون إضافة ، وكأنه يؤكد على معنى هذا الفعـل الـرافض والناهي عن ‏‏‏الصلح ليكون مسك الختام، والقصيدة بالرغم من هـذا التكـرار للفعـل ” لا تصالح ” تعتبر ‏‏‏وصية واحدة ، وتتلخص في النهي عن الصلح والمسالمة مع العدو والحث على الأخذ بالثأر.‏
وهي على الرغم من توهج العاطفة فيها، وصخوب موسيقاها، إلا أنها ردّ أو نقض سياسي ‏‏‏وعقلاني على منطق الصلح مع العدو، وذلك عن طريق النهي عن السير في هـذا، وحاول أن ‏‏‏يجعل من كليب رمزاً للمجد، ويؤكد هذا المعنى في مقدمة القصيدة بوصفه العربي القتيل أو ‏‏‏للأرض العربية السلبية التي تريد أن تعود إلى الحياة مرة أخرى، ولا يرى سبيلاً لعودتها أو ‏‏‏لإعادتها إلا بالقوة فهي وصية أراد الشاعر أن تعكس رؤيته المعاصرة لطبيعة الصلح مع ‏‏‏العدو‎ .‎ ‎

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى