رصد

فيلسوف أوروبا هابرماس رفض قبول جائزة الشيخ زايد

كتب محرر دير شبيغل ديتمار بيبر أنه “بتصحيح نفسه، يظل الفيلسوف مخلصًا للتنوير التواصلي وأهم قيمه” مبديا إعجابه برشاقة عقلية الفيلسوف التسعيني هابرماس التي دفعته إلى قول لا.

ربما كان الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس المفكر الأبرز في أوروبا منذ ستينيات القرن الماضي، إذ وضعته دراسات الفلسفة وعلم الاجتماع والتاريخ في مكانة استثنائية، وأدّت مقالاته ومقابلاته الصحفية إلى توجيه المناقشات العامة في موضوعات سياسية مثل حرب العراق، وذكرى الهولوكوست، والتكامل الاقتصادي والسياسي لأوروبا.

بذلك وصفت مجلة “فورين بوليسي” (Foreign Policy) الأميركية، قبل أسابيع قليلة، الفيلسوف التسعيني (ولد 1929) الذي يعدّ من أهم منظّري مدرسة فرانكفورت النقدية وصاحب نظرية “الفعل التواصلي”، في تقرير بعنوان “لماذا اختفى هابرماس؟”.

ولكن هابرماس لم يختف، فقد عاد إلى الأضواء بقوة متصدّرا مواقع ووكالات الأخبار العالمية بعد رفضه، أمس الأحد، قبول جائزة الشيخ زايد للكتاب التي تقدمها دولة الإمارات؛ معتبرًا أن قبولها كان قرارا خطأ إذ لم يفكر جيدا في المغزى السياسي الخاص باختياره تلك الجائزة، حسب مجلة شبيغل الألمانية التي نشرت انتقادا لقبوله الجائزة في مقال أشار إلى غياب سياسات التسامح والديمقراطية في الإمارات محذرّا من تحول الفيلسوف الألماني إلى وسيلة دعاية لإخفاء وحشية نظام حكم قمعي، حسب مقال المجلة الألمانية.

وكتب الفيلسوف الألماني إلى المجلة بعد قراءة المقال الذي انتقده أنه يصحح قراره السابق، وأضاف “لم أقدّر بطريقة كافية العلاقة الوثيقة بين المؤسسة التي تمنح الجائزة والنظام السياسي القائم هناك”.

من جانبها أشادت المجلة الألمانية بتراجع الفيلسوف عن الجائزة الكبيرة (750 ألف درهم إماراتي) (أكثر من 204 آلاف دولار) منوّهة بمكانته الكبيرة في البلاد. وكتب محرر شبيغل ديتمار بيبر أنه “بتصحيح نفسه، يظل الفيلسوف مخلصًا للتنوير التواصلي وأهم قيمه” مبديا إعجابه برشاقة عقلية الفيلسوف التسعيني التي دفعته إلى قول لا.

وفي بيانه اقتبس هابرماس من مقالة شبيغل حرفيًا “عادة، عندما تصطدم العقلانية بالقوة تفوز القوة (السلطة). ولكن على المدى البعيد أنا أؤمن بالقوة التنويرية للكلمة النقدية، إذا ظهرت فقط في المجال السياسي العام، وكتبي التي ترجمت إلى اللغة العربية تكفي”.

ردود الفعل

وتوالت ردود الفعل على موقف الفيلسوف الألماني، من ناشطين ومثقفين، فكتب الحقوقي المصري جمال عيد مقارنا بين رفض هابرماس الجائزة ومواقف مثقفين آخرين مثل الروائي المصري صنع الله إبراهيم والإسباني خوان غويتيسولو اللذين رفضا جوائز عربية شبيهة.

ولفت المترجم والأكاديمي عبد السلام حيدر النظر إلى خطأ في إعلان جائزة الشيخ زايد لمؤلفات هابرماس إذ نسبت إحدى ترجماته خطأ إلى غير المترجم الحقيقي لها.

وأشار الأكاديمي اللبناني وسام سعادة إلى أن هابرماس كان متّسقا مع فكرة أساسية هي أن تكون الجائزة غير صادرة عن نظام سياسي بعينه.

فيلسوف القارة الأوروبية

وبزغ مشروع هابرماس الفلسفي من صدمات ألمانيا بعد الحرب العالمية، إذ نجا بأعجوبة من التجنيد العسكري في زمن الحرب، وكان يبلغ من العمر 15 عاما وقت الانهيار النازي؛ ليستمع لاحقا إلى البث الإذاعي لمحاكمات نورمبرغ لقادة النازية.

ومصممًا على الكشف عن المسار “الذي ذهب فيه التاريخ الألماني في طريق خطأ”، وفي محاولة لاستكشاف ما إذا كانت الثقافة الألمانية تمتلك موارد لإعادة بناء البلاد، تخلى هابرماس عن فكرة دراسة الطب لمتابعة دروس الفلسفة، ورفض أفكار الوجودية السائدة واليأس الثقافي، وبدلًا من ذلك أصبح واحدا من أبرز منظّري مدرسة فرانكفورت الفلسفية مع ماكس هوركهايمر وثيودور أدورنو اللذين شارك في بناء معهدهم للبحوث الاجتماعية الذي تحول إلى ملاذ للمناقشة النقدية وسط الثقافة الأكاديمية المتراجعة بعد الحرب في ألمانيا الغربية.

وولد هابرماس في مجتمع الطبقة الوسطى البروتستانتية في ألمانيا الغربية، ليصبح أبرز فلاسفة أوروبا المعاصرين بتاريخ مهني امتد ما يقرب من 7 عقود، وضع خلاله نظامًا فلسفيًا يربط بين نظرية المعرفة واللغويات وعلم الاجتماع والسياسة والدين والقانون.

وتتطلب الديمقراطية، حسب هابرماس، مجالًا سياسيًا نشطًا ومؤسسات سياسية قادرة على الاستجابة ودمج الطاقة التي تنشأ عن النقاش والاحتجاج والمواجهة والسياسة.

وحذر الفيلسوف الألماني -الذي يوصف بأنه وريث تركة مدرسة فرانكفورت التي ابتكرت مفاهيم فلسفية مثل الهيمنة التقنية والعقل الأداتي- من تزايد خطر “الشعبوية” الوطنية واليمين المتطرف إذ رأى أن السلطات السياسية تعامت عنه بذريعة معاداة الشيوعية المهيمنة.

وبينما تستوعب أوروبا (وبوجه خاص ألمانيا) موجات جديدة من المهاجرين المسلمين، سعى هابرماس إلى مكافحة خطابات كراهية الأجانب مشددا على أهمية الديمقراطية للتعامل مع الخلافات الدينية.

وفي مقابلة حديثة مع صحيفة “لوموند” (Le Monde) الفرنسية، حلل الفيلسوف الألماني الشهير النتائج والآثار الأخلاقية والسياسية لأزمة الصحة العالمية الحالية، وحثّ الاتحاد الأوروبي على مساعدة الدول الأعضاء الأكثر تأثرا، وقال “علينا أن نكافح من أجل إلغاء النيوليبرالية”.

وفي وقت تزداد فيه الأزمات، يقترح هابرماس أن الإنسانية تمتلك بالفعل الموارد اللازمة التي يمكن إحداث التوازن بها بتوجيهها نحو المصلحة العامة، ومستفيدًا من تراث مدرسة فرانكفورت الفلسفية ونقد ما بعد الحداثة، يرى أن التاريخ هو “قصة تعلّم الإنسانية” وسجل للمشكلات التي تم حلها والتحديات التي يصار إلى التغلب عليها.

دعا هابرماس إلى هوية أوروبية جماعية تستند إلى ما يسميه “الوطنية الدستورية” التي تحلّ محل الطبقة والدين والأمة في القارة العجوز، وعارض الفاشية والقومية وصعود اليمين، داعيا إلى استناد الديمقراطيات الليبرالية في الغرب إلى “احترام كرامة الإنسان“.

وطوّر الفيلسوف الألماني مفهوم “الوطنية الدستورية” أواخر الثمانينيات، معارضًا بناء ألمانيا بعد الحرب على قاعدة قومية وإنما يلزم بناؤها على التقاليد الديمقراطية الليبرالية الأوروبية الأوسع التي ينبغي أن يجد فيها المواطنون هويتهم في “وطنية دستورية” مفتوحة لجميع البشر بدلا من التمركز حول التاريخ القومي، حسب مراجعة فورين بوليسي

وجادل هابرماس بأن الأوروبيين يجب أن يروا أنفسهم موحدين بإرث الثورة الفرنسية وقيم حقوق الإنسان، وعارض حرب العراق منتقدًا إدارة بوش “لانتهاكها القانون الدولي“، وذمّ مواقف بعض دول أوروبا الشرقية التي أيدت التدخل الأميركي في العراق، ووجد بوادر أمل في ما أسماه “قوة المشاعر” التي ألهمت ملايين الأوروبيين للاحتجاج على غزو العراق.

الدور العام للمفكر

ظهرت نصوص هابرماس الفلسفية بأكثر من 40 لغة، وميز هابرماس نفسه بأنه مدافع قوي عن الدور العام للمفكر، وأثارت حواراته مع فلاسفة بارزين مثل الأميركي جون رولز والفرنسي ميشيل فوكو جدلًا في ميدان العلوم الإنسانية، وشكلت تعليقاته السياسية خلافات في موضوعات مثل الذاكرة التاريخية والوحدة الأوروبية وحتى الهندسة الوراثية.

وفي عمله الجديد الذي قدمه بالتزامن مع بلوغه 90 عامًا بعنوان “هذا أيضًا تاريخ الفلسفة” حاول الفيلسوف الإجابة عن سؤال يشغله دائمًا عن وظيفة الفلسفة في عالم اليوم.

وسعى هابرماس بدراسة تاريخ أكثر من 3 آلاف سنة من تاريخ الفلسفة، في مشروعه الأخير الصادر في مجلدين من قرابة 1700 صفحة، إلى إعادة صياغة شاملة للتاريخ البشري، معتبرًا أن تجزئة الحياة الحديثة استنفدت قدرة الفلسفة على الأسئلة الجريئة، ويدرس الفيلسوف الألماني تقدم الإنسانية عبر تحليل “العقل العام” وتطور تاريخه، فضلا عن محاولة الإجابة عن سؤال: كيف فصلت الفلسفة نفسها عن الدين وأصبحت علمانية؟

وفي كتابه ظلّ هابرماس واضحا إزاء الدور التأسيسي للمسيحية الغربية في الفلسفة الحديثة، وتتبّع صعود العقلانية معتبرا أن “العلمنة لا تزال غير مكتملة” إذ لا يوجد بديل لأخلاقيات العدالة والحب الدينية، حسب تعبيره.

المصدر : الجزيرة + وكالات + دير شبيغل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى