قضايا ومتابعات

مصائب المقيمين.. فوائد عند المغتربين: هبّة أبنية فاخرة في الجنوب!!
سحر حيدر

ضجيج الانهيار المالي وأصوات الأزمة الاقتصادية التي تضرب لبنان منذ ما يقارب السنة ونصف السنة لم يصل صداها إلى ورش البناء في الجنوب ولم تستطع تلك الأصوات أن تطغى عليها، فبقيت قرقعة آليات هذه الورش تهدر بقوة غير عابئة بالأرقام التي تتحدث عن انهيار اقتصادي كبير أصاب القطاعات الاقتصادية كافة وحول عملتنا الوطنية إلى “ورق كدش” لا قيمة لها. وبالرغم من أن القطاع العقاري قد شهد انتعاشاً غير مسبوق في العام 2020 إذ سجّلت البيوعات العقارية 14 ملياراً و400 مليون دولار، إلا أن أعمال البناء وفق نقيب المقاولين مارون حلو تراجعت بنحو 90 %.. لكن في الجنوب تبدو أرقام النقيب حلو غير قابلة للصرف ولا تتطابق مع واقع ورش البناء التي وإن تأثرت بالأزمة الاقتصادية إلا أن هذا التأثر لم ينحدر إلى مستوى الركود الذي أصاب المناطق الأخرى، ولذلك عوامل عدة ساهمت باستمرار البناء بقوة في مناطق الجنوب.

مغتربون ولكن..
يتميز مغتربو الجنوب عن غيرهم من المغتربين – ونسبة كبيرة منهم في أفريقيا- باستدامة تواصلهم مع منطقتهم والاستثمار فيها، وهؤلاء أجسادهم في بلاد الإغتراب وقلوبهم هنا وتحديداً في الجنوب. لا تزال روابط قوية تجمعهم بوطنهم الأمّ، لا يترددون في بناء منازل فيه والتي غالباً ما تكون فخمة بفعل الإمكانات المادية العالية التي يتمتعون بها. ولأن الفرص أحياناً تكون عابرة للأزمات وللانهيارات الاقتصادية، وجد هؤلاء في أزمة تدهور سعر صرف الليرة مقابل الدولار فرصة ثمينة للاستثمار والتي غالباً ما تكون إما لبناء منزل أو شراء عقار وهو ما أدّى إلى انتعاش القطاع العقاري وتحديداً أعمال البناء التي لم تفقد زخمها بفعل العملة الخضراء التي تفعل فعلها أينما حلّت.

الفرصة الذهبية التي التقطها المغتربون تمثلت بالوفر الذي أحدثه تحليق الدولار نسبة إلى أسعار مواد البناء الأساسية من أحجار باطون وترابة ورمل وبحص وأجور اليد العاملة. وبالرغم من أن هذه المواد ارتفعت أسعارها إلا أن تسعيرتها بقيت بالليرة اللبنانية حيث أحدثت وفراً في عملية البناء تراوحت بين 40 و 50 بالمائة، باعتبار أن تلك المواد تُنتج في لبنان وانخفض سعرها إلى النصف تقريبًا نسبة لسعر الدولار.

“قبل الأزمة حجر الباطون الذي كان سعره حوالى 60 سنتًا، أصبح اليوم بـ 25 سنتا، إضافة إلى كميون الرمل الذي كنَّا نبيعه ب 600 دولار يُقدّر سعره اليوم بحوالى الثلاثة ملايين ونصف المليون ليرة أي ما يعادل 300 دولار”. هذا ما أوضحه أحد تجار مواد البناء في الجنوب ناصر عاصي الذي أكّد أن هناك مواد انخفض سعرها إلى ما دون النصف كالبحص الذي كان يُباع المتر منه بحوالى 12 دولارا بينما يُباع الآن بحوالى 5 دولارات فقط، إضافة إلى طن الرمل الذي كان يُقدر سعره بحوالى 110 دولارات، سعره الآن حوالى 70 دولارا. الجدير ذكره أن الحديد هو المادة الوحيدة الذي بقي سعرها مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالدولار سواء كان قبل الأزمة أو الآن.

إضافة لكلفة مواد البناء، تستحوذ العمالة وأجورها على جزء أساسي من مجمل تلك العملية، حيث كانت تصل نسبة الأجور فيها إلى حوالى 40 في المائة. الآن تغيّرت تلك المعادلة وفق عاصي الذي شرح عن الأجر الذي كان يتقاضاه “نجار الباطون” قبل الأزمة حيث كان بحدود الـ 20 دولاراً للمتر الواحد، واستمر كذلك لكن وفق سعر صرف 4000 ليرة مقابل الدولار الواحد، وهذا شكّل وفراً كبيراً أيضاً.

العمالة السورية.. دور أساسي
العمالة في قطاع البناء في الجنوب معظمها سورية وهي تشمل معلمي نجارة الباطون والحجر والمورقين والعمال المياومين وغيرهم. ومن المتعارف عليه في عملية البناء أن معظم “المعلمين اللبنانيين” لا يعملون بأيديهم، بل يلجأون إلى إبرام العقود مع أصحاب الورش ومن ثم يستخدمون العمالة السورية التي تقوم بتنفيذ الغالبية العظمى من تلك الورش وتشكل العمود الفقري للعمالة في قطاع البناء ليس في الجنوب فحسب بل في مجمل مناطق لبنان، حيث صار شائعاً أن “اللبناني ما بيشتغل” وهو ما يلاحظه المتابع لورش البناء من أن معظم اليد العاملة في قطاع البناء هي سورية بامتياز.

ووسط الحديث عن أن لبنان خسر منذ سنوات عدّة حوالى 40 في المائة من يده العاملة، وتحديداً في قطاع البناء بسبب الأحداث التي تدور في سوريا حيث تُستقدم النسبة الأكبر من تلك العمالة. يشرح المهندس ربيع فيّاض أنه “ليس هناك اليوم أزمة عمالة في القطاع، فالوضع الراهن في سوريا ليس أفضل بكثير من لبنان، العامل السوري إذا عاد إلى بلاده لن يوفّر كثيرًا إلا ببعض الحاجيات الأساسية كالطعام والمسكن، لذلك عمدوا فقط إلى رفع أجورهم اليومية لتتناسب قليلًا مع الأزمة.”

قطاع البناء بين الأمس واليوم
الوفر في عملية البناء والتي يستحوذ المغتربين على الحصة الأكبر فيها، لم ينحصر بمواد البناء فحسب، بل طاول أسعار العقارات التي سجّلت انخفاضاً بنسبة لا تقل عن %30، وهذا الأمر انسحب على الأراضي التي شهدت أسعارها انخفاضاً مماثلاً.

لم يكن الواقع كذلك قبل العام 2020 بالنسبة لتجار البناء الذين يختلف حالهم اليوم عن حال ورش البناء التي تعود بغالبيتها لمغتربين ومعظمها عبارة عن بناء منازل وڤيلل خاصة، ذلك أن القيام بشراء منزل أو ترميم حديقة أو أي بناء خاص يعتبر أقل كلفة من تجارة البناء التي تعتمد على شراء أراضٍ وبناء شقق وبيعها. عن ذلك يقول المهندس فيّاض إن “سوق العقارات أصابها الكساد منذ حوالى 3 سنوات بعد أن أوقف مصرف لبنان دعم قروض الإسكان في حين أن 80% من زبائن قطاع البناء هم من الموظفين الذين يعتمدون على تلك القروض لشراء شقق للسكن. هذا الأمر دفع بالتجار إلى خفض أسعار العقارات لبيعها مباشرةً. أدى هذا الأمر إلى انتعاش السوق بعد حالة الجمود التي شهدها القطاع منذ سنوات حيث بيع حوالى 80% من الشقق. ووفق فيّاض سمح ذلك للمقاولين أن “يبيعوا عقاراتهم المتراكمة وتسديد القروض المتوجبة عليهم للبنوك التي طالبتهم خلال الأزمة باسترداد مستحقاتها”. وأضاف “يستفيد كثير من المقاولين من عقاراتهم الموجودة قبل الأزمة ويطلبون أن يكون جزءا من دفعاتهم على شكل شكّ يتجاوز ثلاثة أضعاف السعر القديم وذلك لتسديد قروضهم للبنوك”. ونوّه إلى أن المطورين اكتفوا باستكمال مشاريعهم القديمة أو بيعها في ظلّ عجزهم عن إقامة مشاريع جديدة حالياً.

اقتناص الفرص
هذه العوامل مُجتمعة شجعت المغتربين على اقتناص الفرص والمبادرة للاستثمار في الجنوب، سواء من خلال شراء عقار أو في بناء منزل، في حين أن المقيمين في لبنان فقدوا القدرة على تلك المبادرة في العقار تحديداً، كونهم يتقاضون رواتبهم بالليرة اللبنانية، ليقتصر الأمر على المغتربين وأنسبائهم الذين يتلقون منهم الدعم بالعملة الصعبة. لذلك حركة البناء أصبحت حكرًا على المغتربين الذين يستحوذون على حوالى 80% منها، أما اللبناني المقيم الذي يتقاضى حوالى 3 مليون شهرياً وكانت تساوي ألفي دولار، فبالكاد يستطيع من خلالها الآن تأمين احتياجات أسرته الأساسية. ويجزم فيّاض أن الانتعاش في القطاع يتوقف على المغتربين إضافة إلى بعض المودعين الذين استطاعوا في بداية الأزمة سحب أموالهم من البنوك.

الانتعاش في قطاع البناء في الجنوب ليس إلا وليد صدفة محضة. لا دور للسلطة الحاكمة أي دور فيه، بل إنّها يد الرحمة التي تأتي من الخارج بين الحين والآخر لتنتشل اللبنانيين من الخراب الذي يعيشونه. وفي ظلّ انهيار الوضع الاقتصادي وغياب الاسترتيجيات والسياسات الحكومية اللازمة لتطوير أي قطاع فالركود في حركة البيع والاستثمار آتٍ لا محالة، فعلى أي يد سيتّكل اللبنانيون حينها؟

الصور: المهندس ربيع فياض

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى