قضايا ومتابعات

بلبلة وتنمّر على مواقع التواصل الاجتماعي.. والسبب صورة بكعب عالٍ!
سحر حيدر

ليست صورة رجل يعنّف زوجته أو يعتدى على طفل مشرّد ما أثار حفيظة الآلاف على مواقع التواصل الاجتماعي. لم أفهم سبب انشغالهم بتلك الصورة التي ظهرت أمامي على الفايسبوك أكثر من مرة والتي “أثارت اشمئزازهم” فراحوا يرمون صاحبها بالويل والتسفيه. تمعنت بالتعليقات لأجد معظمها عبارات تنمّر وتبخيس على مظهر صاحبها، “لو مش قرعة ما منزعل”، “الله ياخد الحيوان المنوي يلي متلك يلي جابك”، “إذا بتشد حالك شوي ممكن انك تخلف”، “مخلفات كورونا..مريض نفسي”.

تبيَّنَ أن الحساب يعود لخبير المكياج الشهير سامر خزامي (الصور 1 و2 و4) الذي نشر صورة له منتعلًا حذاء بكعب عالٍ وأخرى يرتدي فيها “جامبسوت نسائي”، لكنني لم أكن أعرفه مسبقًا لأنني لم أهتم يومًا بعالم التجميل والأزياء. لم أصدق أن حجم التنمر الذي تعرّض له خزامي كان نتيجة محاولته أن يرتدي ما يعبر عنه ويعكس هويته فحسب.

(1)

لم يمضِ سوى بضعة أيامٍ حتى نشر خزامي فيديو له يوضح فيه أنه تعمّد نشر هذه الصور ليس لأجله بل لأجل كل شخص يعتقد أنه على خطأ بسبب ما يقوله المجتمع عنه، موجّهًا لهم رسالة بأن “يتقبلوا أنفسهم على ما هم عليه فنحن جئنا إلى هذه الحياة لنكون كما خلقنا الله، ولن نرضي مجتمعنا مهما فعلنا، علينا أن نعيش ونتجاهل ما فرضوه علينا”.

سامر خزامي هو خبير تجميل لبناني، حاز على شهادة في التصميم الغرافيكي، ودخل عالم التجميل والمكياج ليلاحق شغفه حتى نال لقب صانع الجمال. اشتهر من خلال بصماته في عالم الماكياج والتي ظهرت على العديد من النجمات في لبنان والعالم العربي ومن أبرزهنّ النجمة نادين نجيم والفنانة أصالة، ويتابعه أكثر من مليوني شخص على إنستغرام.

عام 2016 أسس خزامي علامته الخاصة بمستحضرات التجميل التي حملت إسمه، وأعطى العديد من الدروس الاحترافية في جميع أنحاء العالم، حيث ظهر أسلوبه المتقن من خلال تحديد الملامح باستخدام الكونتور الذي أصبح توقيعه المميز الذي يطبّقه على زبائنه.

لم تكن المرة الأولى التي يتعرض فيها خزامي للانتقاد بسبب ظهوره بطريقة “أنثوية”، ففي أواخر العام 2019 نشر صورة يضع فيها “الآيلاينر” على إنستغرام، جعلت متابعيه يقعون في حيرة حول ما اذا كانت الصورة مجرد استعراض لمهاراته في وضع المكياج أم إشارة منه إلى ميوله الجنسية. ومنذ شهر شباط من العام 2021 بدأ خزامي بنشر صور له يرتدي الكعب العالي، كسر من خلالها نمطية الصور التي ينشرها عبر حسابه وقد كتب على صورته في عيد الحب “تعلمت من عيد الحب أن نقبل أنفسنا على ما نحن عليه… ولم أعد أخشَ النقد لأنني أقبل واقعي دون رغبة في إرضاء الآخرين”.

أن تمضي أكثر من ثلاثين عامًا من المعاناة لا يعني شيئًا، أما أن تخرج عن المألوف الذي ورثناه عن أجدادنا وتخلع القناع الذي لطالما حبس أنفاسك حدّ الموت، فهذا يعني بأن القيامة آتيةٌ لا محالةّ.

“هيدي من علامات الساعة”، هكذا فسّر البعض صورة خزامي التي وضعها على مواقع التواصل الاجتماعي مرتديًا حذاءً بكعبٍ عالٍ.

(2)

خزامي الذي راكم أكثر من ثلاثة عشر عامًا من النجاح والخبرات ويتابعه الآلاف على مواقع التواصل الاجتماعي لم يشفع له أي من ذلك، ليبقي على مدى أسابيع عرضة لشتائم الناس اللاذعة وتعليقاتهم الساخرة التي لم تقف عنده بل طاولت عائلته وأفراد أسرته، حتى كتب أحدهم “مش ضيعان المغلي اللي ضيفوه لما خلقت؟”.

أدرك خزامي بأن صورته ستثير جدلًا، وقد توقع أن تكون ردة فعل الناس بهذه القساوة، إلا أنه سئم من القناع الذي فرضه كل من أهله والمجتمع ومتابعيه عليه. هذا ما أكده في الفيديو الذي نشره عبر صفحته يقول فيه “تقبُّلي لنفسي لم يأخذ معي سنةً أو اثنتين، بل احتجت إلى 34 عامًا لأتسلح بجرأة طفيفة حتى أُظهر وجهي الحقيقي للناس”.

أكثر من 100 ألف متابع خسرهم خزامي في أقل من شهرين إلا أنه لا يبالي، إذ أنه لا يعنيه أن يتابعه الناس ويحبونه بالصورة التي رسموها عنه في أذهانهم، بل ما يريده هو أن يتقبله المجتمع على حقيقته وبالطريقة التي يعبّر بها عن ذاته.

صورة خزامي شكلت مادة دسمة شغلت الرأي العام والوسائل الإعلامية على مدى شهر أكثر من مسيرته المهنية كاملة. وهو ما تعجّب منه خزامي الذي يعتبر أنه “في الوطن العربي ربما لم أقم بأي إنجار أهم من ذلك، فوطننا العربي لا يزال عقله بالسكربينة”.

الرجال أول من ارتداها

لم نسمع يومًا مخترع زيّ معين يُطلق عليه اسم “وفاء” أو “علاء”، ذلك أن الأزياء ومستحضرات التجميل وغيرها هي مجرد سلعٍ بلا هوية جندرية. كذلك الأمر بالنسبة لأحذية الكعب العالي، يأتي التاريخ الذي لا يساير أحدًا ليؤكد أن الرجال هم أول من ارتداها. في القرن التاسع الميلادي، وفي بلاد فارس تحديدًا، ظهر هذا الاختراع ليلائم الفرسان الذين استخدموه لمساعدتهم على الثبات فوق الأحصنة عند امتطاء الجياد. وقد دفع  ذلك الفئات الدنيا من الهرم الاجتماعي إلى اقتناء الكعب العالي في محاولة لتقليد الأرستقراطيين.

وفد إيراني يلتقي نابليون، ويبدو في الصورة انتعالهم أحذية بكعب عال

فيما بعد، وفي ظلّ حركات نسائية تدعو للمساواة مع الرجل في أوروبا، انتقل الأمر إلى النساء من الطبقة الأرستقراطية في محاولة لتقليد الرجال وانتزاع القوة والسلطة منهم. وقام النساء في تلك الفترة بقصّ شعورهنّ وأضفن الأكتاف إلى الملابس وبدأن في تدخين الغليون مع ارتداء للقبعات الذكورية إلى جانب ارتداء الحذاء ذو الكعب العالي. انتقلت بعد ذلك هذه الصيحات تدريجيًا إلى الطبقة المتوسطة والعامة بعد أن كانت تقتصر على النخبة.

لا يقتصر الأمر على الكعب العالي، فحتى أوائل القرن العشرين اعتاد الفتيان الصغار ارتداء الفساتين حتى يبلغوا سن السابعة تقريبًا. وحتى الأربعينيات من القرن الماضي كان الأولاد يرتدون اللون الوردي والبنات اللون الأزرق، فاللون الوردي كان يدلّ على القوة.

لو أن تلك التي علّقت على صورة خزامي ب “لو شو ما عملت مكتوب عالهوية ذكر” تمعّنت بتاريخ هذه الأمور، ربما كانت لتراجع نفسها وتمسح التعليق.

(4)

لكن الغريب ليس بجهل الناس بهذه القضايا بل بردود أفعالهم المتناقضة، فتراهم يتعاطفون مع الناس بعد موتهم ويتسببون بموت آخرين ألف مرة وهم لازالوا على قيد الحياة. المدرب والمحاضر التحفيزي حسين عسيلي الذي كان قد نشر منذ ما يقارب السنة فيديو يتعاطف فيه مع الناشطة سارة حجازي، المصرية والمثلية التي انتحرت بسبب معاناتها مع مرض الاكتئاب عقب الاضطهاد الذي مرت به، والذي قال فيه انه لا يهمه ميول سارة مهما كانت، وتحدث عن الاكتئاب والضغوطات النفسية التي يتعرض لها البعض وتفهمه ودرياته الكاملة بمن يعانون من عدم تقبل الآخرين لهم، وأبدى استعداده الكامل باستقبال أي أحد يعاني من أي مشكلة ويحتاج إلى من يسمعه ولو لساعات، تجده اليوم يتنمر على إحدى صور خزامي التي كتب عليها معلقًا “الرسالة التي كنتَ/تِ تطمح/ين إلى إيصالها لنا باتت واضحة؛ أنّكَ/كِ مانوكان أو خشبة عارضة بالدارج… لعنة آمون عليك عصحة السلامة”.

كوفيد 19 الذي تمناه أحد المعلقين أن يصيب خزامي، ربما يكون أهون بكثير من الذي يمر به من يعانون من التنمر وعدم تقبل المجتمع لهم، وقد لا يكسب المرء تعاطف الناس أو تقبلهم حتى وهو تحت التراب، ف سارة حجازي التي تركت آخر صورة لها على مواقع التواصل الإجتماعي كتبت تحتها “السما احلى من الأرض! وانا عاوزه السما مش الأرض” لم تسلم حينها من شتائم ودعاوى الناس حتى بعد رحيلها “لا عالأرض مخلصين ولا بالسما مخلصين!”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى