مقالات

ماذا لو لم يرفع بن سلمان الراية البيضاء؟

حسين حمية

قد تكون مقالة المدير العام لقناة “العربية” تركي الدخيل التي نشرها في 13 من الشهر الجاري خارج اهتمام القرّاء والمتابعين حاليا، مع أنها تشكل حدثا فارقا، لكن تتابع التطورات المذهلة والمثيرة في قضية اختفاء جمال خاشقجي، تقصّر في أعمار “الأخبار” المدهشة، فما يكاد حدثٌ يتربع على قمة الاهتمام حتى يطيح به حدث آخر، مع ذلك، هناك من يحتفظ بمقالة الدخيل التي تتحدث عن أكثر من 30 أجراءا سعوديا ستتخذه الرياض في حال أقدم الأميركيون على فرض عقوبات قاسية عليها بتهمة تورطها في إخفاء وربما قتل خاشقجي.

هناك، من يقبض كلام الدخيل على محمل الجد وليس شخص الدخيل نفسه، خصوصا في موسكو وطهران، فتعليق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأخير حول قضية خاشقجي أن بلاده “لا تستطيع تخريب علاقاتها” مع السعودية، ودعوته  “إلى انتظار التحقيقات لفهم ما حدث”، هو بمثابة “مشروع”  إسناد لولي العهد السعودي محمد بن سلمان، أو عرض روسي قد تحتاج إليه الرياض في حال تصاعدت الضغوط الدولية عليها في الايام والأسابيع المقبلة، وهو يستجيب ل”دفتر الشروط” السعودي كما نصت عليه مقالة الدخيل، فالروس باتوا محل ثقة في مقاولات حماية حكّام وأنظمة على شفا تهديد كبير، وسوريا هي المثال.

ولو أن زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي كانت مقررة إلى موسكو قبل قضية خاشقجي، لكنها على صلة ب”هلع” إقليمي من احتمال عودة الدفء إلى العلاقات الأميركية التركية بعد إطلاق أنقرة القس الأميركي برانسون، والمساندة الداخلية الأميركية القوية للرئيس التركي رجب طيب اردوغان في اتهام بن سلمان بالتورط شخصيا في تصفية جمال خاشقجي في قنصلية بلاده باسطنبول، وإلا ما تفسير ذهاب الكويت إلى تعاون عسكري مع تركيا خلافا لرغبة اشقائهم في السعودية؟.

الإيرانيون مدّوا أيديهم لبن سلمان، بكلام وزير خارجيتهم جواد ظريف وكلام الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، فمصلحتهم تقتضي أن يبقى ولي العهد السعودي واقفا على رجليه أمام الحملة الدولية التي تستهدف ترهيبه، مثل هذه الإشارات قد تطيل أمد الخلاف بين السعودية وواشنطن، ما يؤدي بنظر الإيرانيين إلى تعديل الاولويات الأميركية، وتأجيل استراتيجية الرئيس الأميركي في ضرب الحصار النفطي عليهم في الشهر المقبل.

خدمت مقالة الدخيل أكثر من هدف سعودي، ولو كانت بالأصل معدّة لمساندة ترامب في موقفه من قضية خاشقجي وضرورة لفلفتها وحصرها بعناصر سعودية مارقة تصرفت من تلقاء من نفسها وليس بناء لمشيئة بن سلمان، فما قاله الدخيل، هو لسان حال ترامب في خطابه للديموقراطيين والجمهوريين، ولم يكن للتهويل، فسقوط ولي العهد سيستتبعه سقوط ترامب نفسه، لأن جوهرة المشروع الترامبي كان بن سلمان نفسه، ولا يفيد تبديله بأمير آخر من أولاد الملك سلمان أو بأحد أبناء مؤسس المملكة المقيم في لندن.

استضافة الإعلام الغربي لمعارضين من آل سعود أنفسهم، هي على معنى كبير، وتشي بأن الجهات الدولية ماضية في إزاحة بن سلمان عن موقعه ولن تسمح له بالوصول للعرش السعودي، وتدرك بأن ولي العهد لن يتورع عن تنفيذ وعيده الذي صيغ في مقالة وقّعها الدخيل.

إذن بعد إنجاز الأمن التركي مهمته في جمع الأدلة عن تجريم بن سلمان لن تُحسم المعركة ولن يرفع ولي العهد الراية البيضاء، آخر دراسة أميركية تشدد على أن الرأي العام السعودي، لن يكترث بما ستسفر عنه التحقيقات التركية المدعومة من الأجهزة الاستخبارية الأميركية، وغير آبه لمصير خاشقجي، وحتى الآن لم يتم تسجيل اختراقات للعائلة المالكة يمكن التعويل عليها في تقويض قبضة بن سلمان، الذي سيذهب في خيارات أخرى دفاعية، هناك من يراهن عليها في موسكو وطهران.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى