انتخابات

بعلبك الهرمل وقانون العفو العام..الأخطر عدم إقراره

حسين حمية

احتل موضوع العفو العام مكانه في البازار الانتخابي، وتعمّدت أحزاب السلطة تحريكه في هذا الوقت لاستخدامه انتخابيا، وعلى الطريقة اللبنانية، جرى تحاصص الجريمة طائفيا، ويمكن اختصارها، بأن للشيعة المخدرات وللسنّة الإرهاب وللمسيحيين العمالة، على اعتبار أن كل نوع من هذه الجرائم يطغى على مرتكبيها لونا طائفيا معيّنا، ولو أن على أرض الواقع تبقى الجريمة “علمانية” تستقطب مرتكبين من كل الأديان والمذاهب.

الذهاب بالعفو العام إلى نهاياته السعيدة التي تنتظرها آلاف العائلات للسجناء والمطلوبين، لا تبدو سهلة كما يتسرب من المناقشات حول الصيغة النهائية لهذا القانون، فالخلافات تدور من أجل الوصول إلى هندسة له تمنع الغبن الطائفي والمذهبي في المستفيدين منه، لكن في حال التطرف في صياغة هذه الهندسة، لا محالة بأنها ستصطدم في مكان ما بفكرة الدولة ومشروعها، وعليه، لا مفرّ من إيجاد صيغة قانونية تتوازن فيها الأطماع الانتخابية لأطراف السلطة مع المصالح الاساسية للدولة.

القول لا مفر من إيجاد هذه الصيغة، هذا يعني يجب إقرار قانون للعفو العام بأقصى سرعة، على قاعدة “من حرّك ساكنا لزمه”، والكل يعرف، أن أحزاب السلطة منذ زمن تشيع في بيئاتها وعودا بالعفو عن الجرائم، من هناعدم إقراره لن تنحصر آثاره السلبية بتعكير العلاقة بين هذه الأحزاب وأنصارها، إنما سترتد أيضا إلى أخطار جسيمة على الأمن الاجتماعي والأمن الأمني، بما في ذلك ارتفاع منسوب الجريمة وتوسع قاعدة المطلوبين وتزايد حدة المواجهة بينهم وبين القوى الأمنية.

ولو أن تحريك العفو العام يأتي في توقيت خاطىء وهو الموسم الانتخابي، ويفرض على صياغته القانونية معايير لا علاقة لها بالاستقرار المجتمعي وتظهير الصورة الرحيمة للدولة، إلا أن هذا لا يفقد هذا القانون فلسفته العميقة، وهي أن الجريمة ليس من صنع المرتكب وحده، بل تشاركه بها والإقدام عليها ظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية وقانونية، وبتبدلها وتغيرها وانقلابها يصبح من المشروع إعادة النظر بعقوبات هذه الجريمة بنقل جزء من المسؤولية إلى تلك الظروف وإعفاء الجاني أو المرتكب منها، خصوصا أننا في بلد كثير التقلبات على كل المستويات، ولم يحدث تراكما لتشييد ذهنية احترام القانون ولا يتوحد أبناؤه على مفهوم واحد للولاء للدولة.

في منطقة بعلبك الهرمل، لم يعد المطلوبون وعائلاتهم وعائلات السجناء ظاهرة، لقد باتوا حالة قائمة في مجتمع المنطقة لا يمكن تجاهلها، ونظرا لحجمهم العددي يكفي أنهم أصبحوا قيمة انتخابية يعتد بها، وعملية استرضائهم بالعفو العام ليست منّة من قوى السلطة، إنما هي اعتراف بفاعليتهم.

“مجتمع المطلوبين” لم يتولد ذاتيا، لقد أشاع تعاطي الدولة اللامسؤول مناخا عاما، هو الذي أدّى إلى نشوء هذا المجتمع وتوسعه بهذه الطريقة المذهلة. لنضع جانبا الظرف الاقتصادي الصعب للمنطقة وانعدام فرص العمل وتفشي البطالة والارتفاع الجنوني لأسعار التوظيف، لقد دفعت المنطقة غاليا من أمنها من الحرب في سوريا وارتفعت الجريمة فيها مع انتشار الفوضى على الجانب الآخر من الحدود، وكان من نتاجها ظهور اقتصاد الجريمة ونموه وتوسع قاعدة المنتفعين به.

كذلك، لقد اسهم نظام التقاضي في لبنان بتفاقم هذه الحالة، باعتبار أغلب المطلوبين ينتمون إلى الطبقات الفقيرة، لم يكن بإمكانهم تسوية أوضاعهم القضائية نظرا للكلفة المالية العالية للتقاضي إن لجهة الرسوم القضائية أو لجهة أتعاب المحامين أو لحالات الرشى والبرطيل التي تنخر إدارات الدولة.

وما يجب الوقوف عنده، هو إذا كانت المنطقة تتحمل مسؤولية تصنيع الجريمة أو بعضها على أرضها، إلا أن من يستهلك هذه الجريمة أو بعضها، هو موجود خارج المنطقة، وهذا المستهلك هو المسؤول عن توفير إغراءات الخروج على القانون فيها، فمعظم العصابات والشبكات الإجرامية، كانت على علاقة مصالح مع جهات أخرى خارجية، هي التي تنتفع من مناخ الانفلات الأمني في المنطقة.

كذلك من المفترض أن لا يؤخذ كل المستفيدين من العفو العام على سوية واحدة، هناك مرتكبون ظلموا بتجريمهم، وهناك مرتكبون حققوا ثروات هائلة على حساب أمن المنطقة التي  خسرت الكثير من فرص الاستثمار فيها بفعل الفلتان الأمني سابقا، هناك تجارب في بلدان أخرى، جرت فيها تسويات بين الدولة وأصحاب المكاسب الكبيرة غير المشروعة، ففي كولمبيا أجبرت الحكومة هؤلاء على الانخراط في الاقتصاد النظيف بشروط معينة، وهذا ما يجب الاحتذاء به في قانون العفو العام، بإلزام المرتكبين الكبار بالاستثمار في مشاريع استثمارية تفيد المنطقة.

كان من الخطأ تطييف ومذهبة العفو العام، فمثل هذا الأمر سيعطّل مردوده الوطني، وبالنسبة لمنطقة بعلبك الهرمل هو بمثابة بداية نحو تصحيح تعاطي الدولة مع هذه المنطقة، وفرصة جديدة للبدء بمراكمة ثقافة احترام القانون التي هي شرط الانضواء في مشروع الدولة، على أن يترافق مع عودة أخرى لهذه الدولة إلى المنطقة، عبر أداء نظيف لأجهزتها الأمنية والقضائية والخدماتية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى