مواسم

عقل حمية…وهل يخفى القائد؟

حسين حمية

يكفي النظر الى صور عقل حمية لكي تدرك ان هناك حكاية كبيرة تقف وراء تلك الصور، فهامة ذلك الرجل المميزة لا يمكن ان تمر عليها مرور الكرام لما تختزنه من قوة الملامح التي تتجسد فيها صورة القائد. لا يمكن لتاريخ الحرب ان يكتب دون ذكر ذلك الاسم الذي حفر عميقا في احداثه ومجرياته.

“قصة عقل حمية تستحق أن ترُوى لمن يملك معطياتها”، بهذه الكلمات اختتم الكاتب اسعد بو خليل نعيه للمسؤول العسكري السابق لحركة أمل على صفحته في الفيسبوك. هناك الكثير في حياة هذا الرجل، تُشكل معرفته أمرا حيويا لفهم الصعود الشيعي مع الإمام موسى الصدر وصولا إلى مرحلة (1983-1990) التي شكلت منعطفا في تاريخ لبنان الحديث وشيعته بدخولهم القوي إلى الحكم.

اعتقد أن عقل حمية كان يدرك قيمة ما تختزنه ذاكرته وما لديه من وثائق ومعلومات عن تلك المرحلة، وأعرف أن الكثيرين كانوا يحاولون شراء مذكراته أو الإطلاع عليها، وقد سألته مرة عن هذا الموضوع، فأجابني بأنه محط اهتمامه وقد شرع بتجميع ما يلزم، بعدها كنا سويا (منذ 3 سنوات) في زيارة لمدير أحد المراكز البحثية في بيروت، وجرى بحضوري حوار بينهما حول هذا المشروع، وعلى ما أتصور انتهيا إلى توافق حول هذا الأمر، لكن في لقاءاتي اللاحقة معه لم أتابع هذه المسألة.

منذ سنتين ، نشر على صفحته الفيسبوكية مقتطفات شديدة الإيجاز عن أحداث كان لاعبا رئيسا فيها أو شاهدا عليها، ولقيت  كتاباته تفاعلا منقطع النظير من الحركيين (أمل) خصوصا القدامى منهم، لكنه بعد فترة عزف عن النشر، ثم أغلق الصفحة المذكورة وفتح حسابا آخر.

لم يكن في مجالسه مكثرا في التذكير بأدواره، كان تواضعه الصوفي يجعله يتعالى عن التشاوف والتباهي، وبالوقت نفسه كان يعرف أن الصمت هو آخر مراكبه للعودة، لذا حرص على عدم إحراقه، ولم يشأ أن تنقطع تلك الشعرة مع “الحركة” التي لم يغادرها أبدا، وقد يكون هذا سببا رئيسا في عدم نشره لمذكراته، أو أنه كان يعتقد أن ما زال لديه متسع من الوقت، أو أنه أنجز ذلك العمل وتحفظ عن الإعلان للوقت المناسب.

وقد يكون في قرارة نفسه، ربط بين المذكرات والتقاعد من حياته الثورية والمقاومة، فإلى ما قبل مرضه في العام الماضي، كان الحاج عقل، مصرّا على أن هناك قضايا يجب أن يستمر في القتال من أجلها، كان يعتبر انقطاعه عن العمل المقاوم الميداني أمرا مؤقتا ولو أنه من مؤسسيه، كما أنه كان يرى أيضا أن هناك قضايا مستجدة تستحق أن يعود لحمل سلاحه من جديد والقتال في سبيلها، وهذا ما حدث عند العدوان التكفيري على البقاع، فانطلق لتأسيس “جيش القلعة” متعهدا مواجهتهم ودحرهم عن لبنان، لكن في مكان ما لم تمش الأمور كما أرادها هو.

إلى ما قبل مرضه منذ أكثر من عام، كان يبحث عن جبهة، وعندما اشتعل القتال في العامين الماضيين بين البيشمركة و”داعش” ذهب إلى الخطوط الأمامية الملتهبة مراقبا، وقد أثارت صلابته وشجاعته دهشة جنرالات الكرد. لم يكن يستدرج الحروب أو عاشقا لها، لكن أمثاله كانت تستدرجهم الحروب، في ماضيه حارب السوفيات في أفغانستان، وحارب مع المقاومين العراقيين ضد الاحتلال الأميركي، مستعينا بتراثه المقاوم ضد الاحتلال الإسرائيلي وانتفاضته المظفرة في 6 شباط على الحكم الفئوي في لبنان.

عندما علم بمرضه الخطير، تحول عقل حمية كما سيمون بوليفار في كتاب ” الجنرال في متاهة” لغابرييل غارسيا ماركيز، ولو أن بوليفار لم يعد يجد وطنا ليضحي من أجله، فإن عقل  أدرك أنهم سحبوا من أمامه كل القضايا التي كان مستعدا لافتدائها بدمه، وأدرك ايضا أن ما تبقى له في هذه الحياة بالكاد يكفيه لبلوغ القبر، وليس لمذكراته التي ما كان ليختمها إلا:

ومَنْ عَرَفَ الأيّامَ مَعرِفتي بها…… وبالنّاسِ رَوّى رُمحَهُ غيرَ راحِمِ.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى