متابعات

بعلبك الهرمل والطاعة الانتخابية للثنائي الشيعي..التجديد لها أو الخروج عليها؟

حسين حمية

ما إن أنهى الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله إعلان أسماء مرشحي حزبه للانتخابات القادمة في 19 من الشهر الحالي، حتى اشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي بتغريدات لناشطين في منطقة بعلبك الهرمل، تتضمن انتقادات جريئة وقاسية وشجبا قويا لهذه الترشيحات ورفضا لتصويره انتقاداتهم على أنها من الجيوش الالكترونية التي يُنفق عليها ملايين الدولارات لتشويه صورة الحزب وترويج الإشاعات عن كوادره.
حجم التفاعل مع هذه التغريدات كان لافتا وتجاوز المتوقع، واخترقت الانتقادات الموجهة للثنائي الشيعي السقوف السياسية المعروفة، فلم تقتصر على الأداء الإنمائي والخدماتي لنواب حزب الله وأمل أو أهلية المرشحين الجدد وأحقيتهم تمثيل المنطقة، إنما طاولت السياسات الكبيرة للثنائي الشيعي في بعلبك الهرمل، واتهامه بالتمييز المناطقي لمصلحة الجنوب، وباعتماد خطة منهجية تبقي على العوز الاقتصادي في المنطقة لاسترهانها بتقديمات توفرها المؤسسات الحزبية لهذا الثنائي، مقابل تجنيدها شعبيا في صراعاته السياسية والعسكرية داخليا وخارجيا.
لم تشهد انتخابات ال2005 وال 2009 مثل هذا الخطاب الانتخابي الحاد، ولم تستطع ردود الثنائي الشيعي كبحه أو تهدئته بالحديث عن الانتصارات السابقة للمقاومة ودورها في التحديات المقبلة أو استمرار المؤامرات عليها أو الحرص على وحدة الطائفة، ما حدث هو العكس، اي تصاعد الاعتراض المناطقي وفتح جردة حساب طويلة تثبت التقصير الفاضح للثنائي الشيعي في مداواة جروج المنطقة الإنمائية والخدماتية وتغييبها عن صنع القرار الشيعي في نظام يقوم على التحاصص الطائفي والمناطقي.
وإذ مضى على ترشيحات الثنائي الشيعي بضعة أيام، كل شيء يوحي بأن مواجهة انتخابية حقيقية تلوح في الأفق الانتخابي للمنطقة، بدأت علاماتها تتلبد في التحركات على الأرض من رفع لافتات تؤكد الخروج على الطاعة الانتخابية لحزب الله، ومناشدات شعبية لبعض شخصيات المنطقة للترشح بوجه لائحة الثنائي الشيعي وبيانات انتخابية لمرشحين معارضين تطالب برفع الوصاية عن قرار بعلبك الهرمل.
مع هذا، ما زال حزب الله (القوة الانتخابية الكاسحة) يتصرف بالعلن على أن المنطقة ممسوكة بقبضته الانتخابية، ولو كانت الأمور خلاف ما يظهره إلا أنه سيبقى مصرا على هذا السلوك العلني، لكن كلام المرشح على لائحته اللواء جميل السيد (على تويتر في 22 شباط) يفصح عن ارتباك ضمن لائحة الثنائي، عندما أبدى هذا المرشح امتعاضه من التسابق بين مرشحي اللوائح على الأصوات التفضيلية، ومثل هذا الكلام ولو قاله بصيغة عامة إلا أنه لم يستثن اللائحة التي يترشح عليها، فامتعاضه إذن، ينطوي على جملة مؤشرات ودلالات أبرزها التسليم بإن الخرق الانتخابي للائحة المذكورة لن يقتصر على المقاعد السنية والمسيحية إنما أيضا سيطاول مقاعد شيعية، والسيد هو أحد المرشحين لهذه المقاعد.
كان الثنائي الشيعي مسلّما (وليس متسامحا) منذ إقرار القانون النسبي الجزئي مع الصوت التفضيلي بأن خرقا واحدا للائحته في بعلبك الهرمل سيطاول المقعد السنّي، لكن الأجواء الانتخابية المستجدة ستدفعه للدفاع عن مقاعده الشيعية، وهذه مهمة ليست بالسهولة التي يتصورها البعض أو كما يروج الحزب عن نفسه، فالقانون الجديد، لا تنفع معه الخبرة الانتخابية الماضية، بل يحتاج إلى أداء مختلف بنسبة كبيرة عن السابق، فلا يكفي حيازة الكمية الأكبر من الاصوات للفوز، وهذه لا تمنع حدوث الخرق، إنما الذي ينفع هو هندسة توزيع الصوت التفضيلي، وهذه مهمة كأداء أمام الحزب خصوصا أن قاعدته الانتخابية لم تعد على درجة الصلابة المعهودة ولم يعد متحكما باللعبة الإعلامية أو متفوقا بمزية الاتصال بقواعده، فهذه المزايا ستتقاسمها معه المعارضة خلافا للسابق، وفي لحظة الاقتراع لن يمكنه تهدئة روع ما يقارب ال 6 من مرشحيه يشعر كل واحد منهم بأنه مهدد بالسقوط، ما يعني دخولهم في منافسة محمومة فيما بينهم.
لن يعدم الثنائي الشيعي وسائل أخرى لإراحة لائحته، والتخفيف من الخروقات، وهذا ما يُفترض أن تتيقظ “المعارضة له، خاصة أن اللعبة الانتخابية مفتوحة على أكثر من مسرح، وأول مسارحها وسائل التواصل الاجتماعي خصوصا الفيسبوك والواتس، فهذه الوسائل غير محصنة أمام ضخ الأخبار المزيفة القصيرة الأمد، لكن لديها الوقت اللازم للتأثير في توجهات الناخب والتلاعب بإرادته إلى حين وصوله لصندوق الاقتراع.
كذلك سيفيد الثنائي الشيعي من تفكك المعارضين له وضعفهم التنظيمي، وعدم قدرتهم على تأطير الاعتراض الشعبي في المنطقة، وهذه نصف المعركة الانتخابية، لا بل هو قادر على الإمعان في شرذمة المعارضة أو وضع العراقيل أمام توحدها، عبر اتفاقات تحت الطاولة مع قوى مؤثرة في الكتلة السنية، أو عبر تشجيع مرشحين يجتذبون أصواتا من رصيد المعارضين له، ولوحظ في الفترة الأخيرة ظهور ترشيحات يشكك البعض بأهداف أصحابها، وتوضح أن غايتهم هي شرذمة الأصوات المعترضة على الثنائي لتشتيت الحاصل الانتخابي وتوزيعه نتفا بهدف التبديد وحرمان اللائحة ذات الحظ بتحقيق الاختراق.
وإذا كانت نتائج انتخابات بعلبك الهرمل محكومة بهذه المحددات، غير أن الأمور بخواتيمها، والمسافة الزمنية التي تفصلها عن 6 ايار المقبل ستتقلب عليها تطورات كثيرة، وأيا كانت هذه التطورات وما سينجم عنها، هناك محصلة أخذت مكانها، لم تعد انتخابات بعلبك الهرمل نزهة انتخابية للثنائي الشيعي، والطاعة الانتخابية باتت من الماضي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى