مواسم

بانتظار بلفور روسي أو أميركي

حسين حمية

وعد بلفور ليس كما يتم تصويره بأنه عمل مؤسس لقيام كيان صهيوني على أرض فلسطين، دائما يشار بالاحتفالات التي تقام بمناسبة ذكرى هذا الوعد ( 2 تشرين الثاني)، إلى أن تأسيس الدولة الإسرائيلية تخلّق في رحم رسالة وزير الخارجية البريطانية آرثر بلفور الى اللورد روتشيلد التي أعرب فيها عن تأييد الحكومة البريطانية بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.

فكرة الدولة اليهودية سابقة على وعد بلفور، وتحقيقها لم يكن مضمونا بهذا “الوعد”، ليس وعد بلفور سوى محطة من بين عدة محطات عبرتها إسرائيل، من اللحظة التي كانت فيها حلم في المخيلة أو فكرة على ورق ثم أصبحت حقيقة على الأرض. ووعد بلفور كان من ضمن عملية سياسية طويلة امتدت لسنوات، بدءا من تشكل المشكلة اليهودية في أوروبا، وبعدها ظهور فكرة القوميات، وتفكير هرتزل بتحويل اليهود إلى قومية، ومطالبته بوطن لليهود اينما كان، إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى، واشتراك الامبراطورية العثمانية في هذه الحرب، وتولي رئاسة حكومة بريطانيا لويد جورج المتشبع بثقافة العهد القديم والمؤمن بعودة المسيح بعد تحقق عودة اليهود إلى ارض الميعاد، وكذلك خسارة الأتراك الحرب وتعرض ممتلكات أمبراطوريتهم للتقاسم.

أي محطة مما ذكرت وغيرها لو طرأ عليها تغير أو أنها لم تقع لما كان ظهر وعد بلفور، حتى أن الوعد نفسه عندما أطلقه بلفور لم يكن سوى رهان، فلم يكن موثوقا أن ألمانيا ستخسر الحرب وبريطانيا ستربحها،  أضف أن سياسة تمسك بريطانيا بفلسطين لم يكن مدفوعة فقط بتحقيق وعد بلفور، كانت فلسطين بنظرهم عقدة الوصل بين مستعمراتهم الأسيوية والإفريقية، وكان الجناح المتدين في حكومتهم يرفض تسليم الأماكن المقدسة للعلمانيين الفرنسيين، فضلا أن العرب كانوا يتصرفون أيضا مثل اليهود أي المطالبة بدولة.

المشكلة عندنا، اننا نحاول ترميز ولادة هذا الكيان الغاصب بموقف شخص في حكومة، ونخرج هذه الولادة  من سياقها التاريخي، ونهمل المناخات والظروف التي أدت إلى ولادته وقيامه، انجذاب العرب لتشخيص التاريخ حالة مرضية، وهو نوع من الاختصار الأعمى، فالشخص مهما كان، لا يعقل أن يتحول إلى استعارة للدلالة على عصر وظروف تاريخية معقدة، وإذا كان كذلك، لتضخيم عدوانية الخارج علينا، فهو بالوقت نفسه تواطؤ مع الداخل الذي فرّط بالحق وسهّل الطريق لهذه العدوانية.

ولعل ما يحدث حاليا في بلداننا شبيه في زمن وعد بلفور، وغدا عندما نستفيق على واقع اقسى من ظهور الكيان الصهيوني، أيضا ستختصر المأساة باسم بلفور آخر، قد يكون أميركيا أو روسيا أو صينيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى