متابعات

ماذا يعني بن سلمان بالعودة إلى ما قبل 1979؟

حسين حمية

الجانب الأكثر صعوبة وخطورة في فرض الأمير محمد بن سلمان مشروعه من ضمن ما يسميه ” رؤية السعودية 2030″، ليس في تصعيده المواجهة مع إيران، أو في النزف الاقتصادي والعسكري جرّاء استطالة حربه في اليمن، وليست ايضا في حملته على الأمراء ورجال الأعمال والبروقراطيين الكبار الفاسدين، إنما هذه الصعوبة والخطورة هي في مكان آخر، عندما أخذ على عاتقه محاربة التطرف.

يفيد مشروع بن سلمان من استمرار المواجهة مع إيران، فهذه تعطي قيادته بعدا وطنيا وقوميا ومذهبيا، بعدما ترسّخ في أذهان قطاعات جماهير واسعة من السعوديين والخليجيين والعرب والسنّة، أن المشروع الإيراني هو استعادة لأحلام أمبراطورية، ويستهدف غزو البلدان العربية وفرض التشيّع عليها، فهذه الصورة عن الجمهورية الإسلامية (وبغض النظر عن مبالغاتها) باتت هي السائدة في الخليج، وتغذي هواجسها تصعيد قيادات خليجية للحكم والوقوف خلف سياساتها وقراراتها.

كما أن حملة بن سلمان على الأمراء ورجال الأعمال والبيروقراطيين الكبار الفاسدين، وفّرت لمشروعه وقودا عاطفيا وشعبيا كافيا، لتقطع إصلاحاته مسافات بعيدة عن تحسين عمل الإدارة السعودية وتذهب إلى تغييرات في عمق المجتمع السعودي، وبات بشخصه معقد آمال فئات واسعة من السعوديين، كانت هذه الفئات قد عانت الكثير من تجاوزات هؤلاء الأمراء (ومن معهم) وفسادهم ومد أيديهم على المال العام وتبذيره بطريقة ماجنة، في حين بدأت تتفشى مظاهر الحرمان والفقر ونقص الخدمات بشكل فاقع في طول البلاد وعرضها.

إذا كانت مسألتا مواجهة إيران والفساد الداخلي ضمنت لبن سلمان حواضن شعبية مؤيدة بحماسة له، إلا أن عزمه على محاربة التطرف الديني ومظاهر التزمت ستضعه في مواجهة مع جماعات أهلية صلبة العود ومتجذرة في صلب المجتمع السعودي، ولن تتقبل بسهولة مبادراته في ما يطمح إليه، لجهة الانفتاح الديني وفرض العصرنة على العلاقات والسلوكيات السعودية.

هناك انقسام أهلي سعودي حيال العصرنة الجزئية التي يذهب إليها مشروع بن سلمان، وفي مقابلته الأخيرة مع توماس فريدمان، تحاشى بن سلمان عمدا اختيار شعار مسكون بالتغيير في إصلاحاته المجتمعية، فشدّد على أن المراد من هذه الإصلاحات هو العودة إلى اصول الإسلام، وهو بهذا يضفي على مشروعه الشرعية الدينية، وينقل شبهة العبث بتعاليم الإسلام ومبادئه إلى المتطرفين والمتزمتين.

ذات معنى، أن يقول بن سلمان، سنعود لعاداتنا وسلوكياتنا وأوجه حياتنا إلى ما قبل العام 1979، واختياره لهذا التاريخ ينطوي على ابعاد مهمة، والمقصود فيه هو العودة إلى ما قبل انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وما قبل الغزو السوفياتي لافغانستان، وأيضا إلى ما قبل قيام جهيمان العتيبي باحتلال الحرم المكي.

ليس هناك الكثير من الفروقات ما بين السعودية قبل العام 1979 وما بعده، وهذا تعرفه جيدا الأجيال السعودية السابقة على جيل بن سلمان والشباب السعودي. فالعادات والتقاليد هي نفسها تقريبا، لكن ما قبل وما بعد 1979 هناك الكثير من الفروقات السياسية.

الحديث عن هذا التاريخ، كأن بن سلمان يريد القول أن التطرف هو دخيل على المجتمع السعودين وكان بتأثير العامل الخارجي ( الثورة الإسلامية الإيرانية والاجتياح السوفياتي)، وهذا العامل هو الذي اسهم في إحداث ردة دينية سعودية متطرفة تمثلت ذروتها باحتلال جهيمان للحرم المكي، واضطر السلطات السعودية المتعاقبة بعد ال 1979 إلى مسايرة الجماعات الإسلامية المتطرفة في السعودية.

يمكن استخراج ما هو أبعد من تحميل العامل الخارجي وزر التزمت السعودي، لكن أهم ما فيه زرع أولى بذار الصدام مع الجماعات المتطرفة والمتزمتة، وهو بدء القطيعة مع سياسات الأسرة المالكة سابقا، ليس لجهة مسايرة هذه الجماعات فقط، إنما الذهاب إلى مواجهتها والتصدي لها واستفزازها، كما حدث في السماح للنساء بقيادة السيارات والموافقة على إقامة الحفلات الغنائية والحديث عن الاختلاط وغيرها مما يوحي بأن المملكة بدأت تفتح أبوابها للعصرنة.

الكل يذكر، فيديو الفتاة السعودية ذات التنورة القصيرة، وقد اهتمت وسائل الإعلام بهذا الفيدو الذي يصور فتاة سعودية تلبس تنورة قصيرة في مكان معزول، وتكررت أحداث متتالية تخرج عن المألوف السعودي عبر أكثر من فيديو، كانت تُدار هذه الأحداث على طريقة الكاميرا الخفية، ليس لبرنامج تلفزيوني، إنما لبرنامج سياسي، فكان هناك رصد لردود أفعال السعوديين على وسائل التواصل الاجتماعي على هذه الأحداث، ومن خلال هذه الردود يتضح الانقسام الأهلي السعودي حيال مظاهر العصرنة، والمحصلة كانت أن هناك حزبا وازنا يريد فتح أبواب السعودية للعصرنة بنسب معينة.

هل يستخدم بن سلمان الإصلاحات الداخلية لتدعيم مواجهاته الخارجية، او أنه يوّظف صراعات المملكة الخارجية لتزخيم إصلاحاته الداخلية، ما زال الجواب حائرا بانتظار مزيد من التطورات والترقب..لكن تبقى أعين العالم على الداخل…ترصد النجاة أو الكارثة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى