Uncategorized

البوتينية…سلفية روسية للتحايل على الصراع الطبقي

 

العنف السياسي الذي يمارسه الحاكم، ليس نزوة أو هواية، هو وظيفة لإرغام التطلعات الطبقية على الامتثال للطبقة السيّدة والخضوع لمتطلباتها. كما أن ممارسة هذا العنف عاريا من مسوغات ثقافية أو فكرية أو تاريخية يشكّل خطرا على صاحبه، لذا يحتاج إلى مقدمات وتمهيد للترغيب به، بتلوينه بالدعايات القومية وتعظيم رموزه وتقديسها.

هذه المقالة تلقي الضوء على ما يحدث في روسيا، وليس الهدف من نشرها، هو دعاية مضادة للقيادة الروسية، إنما يأتي في سياق فضح موجة عالمية تريد التحايل على الصراعات الطبقية في المجتمعات الإنسانية، مع ما قد يجرّه هذا التحايل من مظالم واضهادات وقهر، وهنا نعرض نموذجا روسيا لهذا التحايل الطبقي.

                                                                                                                      حسين حمية

*********************************

في الوقت الذي يحاول فيه عالم اليوم التخلص من ذكريات الاضطهادات البغيضة والحط من رموزها المجرمة، تتحرك روسيا في الاتجاه المعاكس، وتعيد رفع تماثيل جنرالات العصور الوسطى الذين اشتهروا باستبدادهم ومظالمهم، هذا النبش لمثل هذه الرموز ليس حنينا قوميا أو إعادة ترتيب للتاريخ، إنما يسلط الضوء على اتجاه سياسات روسيا.

في اوكتوبر الماضي ازيح الستار عن اول تمثال في البلاد لـ “ايفان الرابع” المعروف بـ “ايفان الرهيب” في مدينة “اوريل” بمواقفة وزير الثقافة الروسي “فلاديمير ميدينسكي” ، بعد شهر طلب “فلاديمير زيروفيسكي” ان يستبدل شارع “لينين” في موسكو باسم شارع ايفان الرهيب، و”فلاديمير” هو رئيس حزب روسيا الديمقراطي الليبرالي القومي. وفي شهر يوليو من هذا العام حاول الرئيس فلاديمير بوتين غسل التاريخ المرعب للقيصر الروسي، ولتبيض صفحة  الاستبداد زعم انه من المرجح عدم قتل ايفان الرهيب لاي شخص ولا حتى ابنه.

يجمع معظم المؤرخين ان ايفان الرهيب اسم على مسمى فهو لم يقتل ابنه فقط واقارب اخرين، بل أمر ايضا بعمليات التطهير بقيادة الدولة والتي ارعبت روسيا من عام  1565 حتى عام 1572، كما انه اشرف على هزيمة روسيا في “الحرب الليفونية” حيث ساهم سوء حكمه في ازدياد حدة الازمات وتفاقم عملية التهجير المدمرة.

مما يذكر، أن جوزيف ستالين كان اول المعجبين بايفان الرهيب، وفي منتصف العام 2002 اعتبرت حركة روسيا الاوراسية، ان ايفان هو افضل تجسيد للتقليد الروسي اي السلطوية الملكية، ويقود “اليكساندر دوغن” هذه الحركة الموالية للفاشية الصوفية.

حركة “دوغن الاوراسية” تؤيد اعتماد عصور وسطى جديدة وتفصح عن حنين للعودة للحكم الاستبدادي والتخلص من الموجود الديموقراطية. في مستقبل دوغن المثالي سيعود نظام الاجتماعي للقرون الوسطى وستُرمم الامبراطورية، ويفترض ان تسيطر الكنيسة الارثوذكسية على الثقافة والتعليم.

 

اكتسبت الاوراسية التي كانت هامشية في التسعينيات شعبية مقبولة في الاعوام الاخيرة من خلال مساهمتها في تشكيل  الحزب الايزبورسكي او المحافظين الجدد الذي يوحد اقصى اليمين الروسي. في مناسبات عدة اشار بوتين الى أن الاوراسية هي جزء من عقيدة روسيا حتى انه استشهد بها على انها  المبدأ المؤسس للاتحاد الاقتصادي الاوراسي وهي منطقة تجارية  مزدهرة في الاتحاد السوفياتي  السابق.

اعطت الاوراسية المجموعات القومية ارضية مشتركة للاتحاد كما انها اعطت لرموز الديكتاتورية امثال ايفان الرهيب وستالين جحافل دعم جديدة.

تدعو قيادات الحزب الأوراسي إلى اعتماد الارهاب السياسي ويعتبرونه الاداة الاكثر فعالية للحكم،  كما طالبوا بـ  “اوبريتشيينا” جديدة  اي “البوليس السري” وهم يناهضون  بقوة ثورة محافظي الاوراسية الغربية. بالنسبة الى “ميخائيل يوليياف” احد اعضاء المجلس السياسي للحزب الاوراسي ومؤلف الرواية الخيالية الامبراطورية الثالثة يجب ان يكون “الاوبريتشينيون” هم الطبقة السياسية الوحيدة وينبغي ان يحكموا بالترهيب.

ليس ايفان الرهيب الشخص الوحيد من القرون الوسطى الذي يتم إعادة احيائه بالتماثيل في روسيا، بل عاد استعمال مفردات معينة في المعجم الثقافي الروسي ايضا، فعلى  سبيل المثال عادة كلمة “خولوب” الى اللغة العامية ومعناها العبد، وهذا انحطاط لغوي يوازي الصعود المزعج في العبودية الروسية. تُظهر معلومات  من فهرس العبودية العالمي بأن اكثر من مليون روسي يستعبدون حاليا في صناعة البناء والجيش والزراعة وتجارة الجنس. الاكثر من ذلك ان مالكي العبيد يعتبرون انفسهم بسعادة بارونات العصر الحديث.

حتى المسؤولون الروس يتحدثون باستحسان عن العبودية الحديثة، اذ كتب  “فاليري زوركين” رئيس المحكمة الدستورية في صحيفة روسيسكايا غازيتا الحكومية الرسمية، بان العبودية لا طالما اعتبرت غراء اجتماعيا لروسيا. كما ظهر مصطلح شرق اوسطي جديد هو  “لايدي غوسو داريفي” ومعناه “خدام جلالته” ويجري تداوله بين الطبقة البروقراطية رفيعة المستوى.

الحنين الى العبودية يستكمل رغبة العودة الى حكم الفرد، مثقفون روس بارزون امثال صانع الافلام “نيكيتا ميخايلوف”، والصحفي مكسيم سوكولوف ورجل الدين الارثوذوكسي الروسي “زيفولود شابلي” يطالبون بتتويج بوتين حاكما مطلقا بالاضافة الى ارتفاع اعداد المؤيدين عبر الانترنت. اللافت هو ان الاحتجاجات ضد  سياسات بوتين 2012  لم تفسر على انها احتجاجات عليه شخصيا بل ضد النظام الاجتماعي الذي يطمح اليه الاوراسيون.

دعم بوتين الضمني لروسيا قرون وسطى جديدة اثار الذكرى التاريخية الستالينية،  بالنسبة الى دوغن اوجد ستالين الامبراطورية السوفياتية، وهو مثل ايفان الرهيب يعبر عن روح المجتمع السوفياتي والشعب السوفياتي لا عجب عندئذ ان نرى تضاعف اعداد تماثيل ستالين في المدن الروسية.

العصور الوسطى الجديدة متجذرة في الحنين لاقامة نظام اجتماعي يعتمد على عدم المساواة والتمييز الطبقي والعشيرة معززا بالارهاب، ان اعلاء شأن الطغاة التاريخيون يعكس التبني المعاصر للقيم غير المعاصرة والمناهضة للديمقراطية والظالمة، بالنسبة لابطال ايفان المعاصرين يعتبرالماضي تمهيدا.

عن موقع بروجيكت سانديكيت – ترجمة علي حمدان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى