متابعات

قراءة في انتخابات دائرة الشوف – عاليه

محمود أبو شقرا

لا تختلف دائرة الشوف – عاليه عن غيرها من الدوائر الـ١٥ التي تتشكّل منها الدوائر الانتخابية في لبنان من حيث كثرة اللوائح وتنوّع القوى السياسية المشاركة فيها، لكنها تختلف من الناحية التركيبية في أنها مهد الزعامة الجنبلاطية التي تشكِّل الدائرة البيئة الحاضنة لها. وما يميّزها أيضاً أنها الدائرة الأكثر عدداً لناحية عدد المقاعد إذ تضمّ ١٣ مقعداً (٨ في الشوف و٥ في عاليه). تتوزع على الشكل التالي: في الشوف مقعدان درزيان وثلاثة مقاعد للموارنة ومقعد كاثوليكي إضافة الى مقعدين سنيين. أما في عاليه فهناك مقعدان درزيان ومقعدان مارونيان إضافة الى مقعد أرثوذكسي. تمتد حدود الدائرة جغرافياً من النهر الأولي جنوباً حتى حدود طريق الشام شمالاً، ومن الساحل غرباً إلى سلسلة جبال لبنان الغربية شرقاً، وهي الحد الفاصل بين الدائرة والبقاع الغربي.

العدد الكبير للمقاعد في الدائرة إضافة الى عدد الناخبين مقسوماً على عدد هذه المقاعد جعل الحاصل الانتخابي متدنياً في الدائرة وبالتالي شجّع قوى كثيرة على المشاركة في السباق الانتخابي أملاً منها في بلوغ العتبة الانتخابية، والتسرُّب من خلال اللوائح القوية للنفاذ إلى الندوة البرلمانية.

الدائرة التي شكّلت تاريخياً أرضاً خصبة لصراع الزعامتين الجنبلاطية والشمعونية حيث لكل منهما مكانته فيها شهدت صعوداً لقوى سياسية جديدة أهمها التياران البرتقالي والأزرق وتراجع لقوى أخرى منها الوطنيين الأحرار والحزب الشيوعي اللذين تضاءلت قوتهما بشكل كبير، فيما عزّز الاشتراكي حضوره في أوساط الطائفة الدرزية.

يبلغ عدد الناخبين وفق آخر تحديث أجرته وزارة الداخلية في آذار ٢٠١٧  حوالى ٣٢٦٠٠٠ناخب يتوزعون كالتالي:دروز ١٣١٩٢٩ أي ما نسبته ٤٠,٥٥في المئة.موارنة ٨٧٧٣٠ أي ما نسبته ٢٧ في المئة.سنة ٦٠٧٣٨ أي ما نسبته ١٨,٦٧في المئة.كاثوليك ١٦٨٤٣ أي ما نسبته ٥،١٨ في المئة.أرثوذكس ١٦٧٠٩ أي ما نسبته ٥،١٤ في المئة.شيعة ٨٤٤٤ أي ما نسبته ٢،٦في المئة.إنجيليون ١٥٤٣ أي ما نسبته ٠٤٧في المئة.

معظم الكتلة السنية الناخبة في الدائرة تتركّز في قضاء الشوف وتحديداً في إقليم الخروب. ومعظم الكتلة الشيعية تتركز في قضاء عاليه في بلدتي كيفون والقماطية. وعليه فإن الحاصل الانتخابي في الدائرة من المقدّر بأن يكون في حدود ١٣٠٠٠ صوت أو أكثر قليلاً. أما نسبة الاقتراع فستتراوح بين الـ ٥٠- ٦٥ في المئة.

الدائرة التي تتألف من ١٧٠ بلدة وقرية كانت المعركة الانتخابية فيها تاريخياً تقتصر على لائحتين فقط الجنبلاطية والشمعونية. لكن القانون الجديد شكّل للكثيرين في كل الدوائر ومنها دائرة الشوف وعاليه بصيص أمل لخوض غمار العملية الانتخابية ومن خلالها التغيير. الآن يمتلك الحزب التقدمي الاشتراكي القوة التأثيرية الأولى في الدائرة، وهو حاول منذ بداية الحراك الانتخابي واستناداً إلى تقديرات بعدم استطاعة طرف بمفرده الاستئثار بكل المقاعد، حاول ضم جميع الأطراف في لائحة واحدة بناءً على الأحجام المقدّرة، وذلك كمخرج لتجنيب المنطقة مواجهات لا طائل منها. وكان اقتراحه أن تضم اللائحة إلى الاشتراكي، القوات، المستقبل، التيار الوطني الحر، الكتائب، أرسلان والأحرار. وبادر الى ضم المرشّح ناجي البستاني في محاولة منه لسحب الورقة الرابحة من وئام وهاب بالرغم من أن هذا الإجراء أغاظ التيار الوطني الحر والوطنيين الأحرار. من خلال هذه اللائحة حاول جنبلاط المحافظة على ستة مواقع أساسية له هي مقعد سني ومقعدان درزيان في الشوف إضافة الى المقعد الكاثوليكي، ومقعدان في عاليه أحدهما درزي والآخر ماروني، وهذه المواقع تشكل الأساس في كتلة جنبلاط النيابية. وعليه هناك تحدٍ كبير أمام الماكينة الانتخابية للاشتراكي وهو كيفية توزيع الصوت التفضيلي بين القرى والبلدات على هذه المواقع الستة لتلافي اختراقها.

الاقتراح لم يناسب أرسلان والتيار الوطني الحر حيث بادرا إلى تشكيل لائحة بالاشتراك مع القومي الذي يبدو أن أصوات محازبيه سينقسمون بين هذه اللائحة وبين لائحة وئام وهاب الذي شكّل لائحة ثالثة في الدائرة. و اللائحة الرابعة ستضم الأحرار والكتائب بعد انسحاب حياة أرسلان التي كانت حاضرة دائماً في معظم الاستحقاقات السابقة واختلفت مع الحزبين المذكورين حول من يترأس اللائحة . واللائحتان الخامسة والسادسة فهما لقوى المجتمع المدني الذي انقسم بينهما وأضاع فرصة ثمينة لإحداث تغيير ما في الدائرة حيث كانت له حظوظ كبيرة في ذلك.

أما كيف ستتوزع الأصوات فهو ما ستفرزه صناديق الاقتراع. لكن بالاستناد إلى انتخابات العام ٢٠٠٩ حيث كان عدد المقترعين في الدائرة ١٥١٤٢١ مقترعا بنسبة اقتراع قاربت الـ ٥١ ٪ نالت لائحة الاشتراكي ٩٨٥٨٨ صوتا بنسبة ٦٥ في المئة من عدد المقترعين. أما لائحة أرسلان فقد نالت حينها على ٤٤٤٣٤ صوتا بنسبة ٣٤.٩ في المئة.

الآن ستختلف العملية الانتخابية من حيث ارتفاع نسبة المقترعين وعددهم، إذ تشير التوقعات إلى أنّ عدد المقترعين سيرتفع إلى ١٧٩٥٠٠ ونسبة الاقتراع إلى ٦٥ ٪  وبالتالي من الممكن أن يؤدي هذا إلى رفع الحاصل الانتخابي إلى حدود الـ ١٤٠٠٠ صوت ما يؤدي إلى خروج عدد من اللوائح بسبب تعذُّر بلوغها ذلك الحاصل. ووفق هذه التقديرات فإنه من المتوقع أن تنال لائحة الاشتراكي وحلفائه حوالى ٤٥ ٪ وربما ترتفع إلى ٥٥ وفق الحاصل الجديد بعد خروج اللوائح الخاسرة وهذا سيعطي اللائحة بين سبعة وثمانية مقاعد. أما لائحة أرسلان والتيار فمن المتوقع أن تنال حوالى الـ ٣٠ ٪ ويعطي لائحتهما أربعة مقاعد، فيما وئام وهاب الذي عمل طوال الفترة السابقة على الخدمة الفردية ويملك سبعة آلاف صوت تفضيلي كما يقول فمن المرجّح أن ينال حصة من المقاعد ستتراوح بين إثنين في أقصاها وواحد في أدناها.

الخاسر الأكبر في هذه الدائرة إضافةً إلى حزبي الوطنيين الأحرار والكتائب، هو المجتمع المدني الذي انقسم بين لائحتين وتشتّت أصواته وأضاع فرصة ذهبية أمام شرائح واسعة من الناس تتموضع خارج الاصطفافات الطائفية وقوى السلطة لكي تعبّر عن رأيها.  حيث شكّل ذلك الانقسام صدمة وخيبة أمل كبيرة لدى الكثيرين الذين كانوا يراهنون على تلك القوى في عملية التغيير فتبدّدت آمالهم في هذه الدائرة، التي كان من المتوقّع في حال توحُّد قوى المجتمع المدني فيها  أن تقارب الحاصلين الإنتخابيين وبالتالي كان من الممكن أن تخرق بمقعدين. المسؤولية في فشل قوى المجتمع المدني من التوحُّد هي عدم إدراك القيّمين على هذه القوى أهمية التسوية وعدم استعدادهم للتضحية ويتحملون المسؤولية بالتساوي. عدم التوحُّد في لائحة واحدة شكّل خسارة كبيرة على المديين القريب والبعيد، وسيؤدي إلى إحجام مناصري هذه القوى «من تشكيل الموجة» في العملية الانتخابية، وسيؤدي إلى تأخر تكوين البديل الديمقراطي لاحقاً حيث تراجع كثيراً عامل التميُّز في المعركة الانتخابية التي كان سيفرضها المجتمع المدني.

الاستحقاق الانتخابي على الأبواب وما ستفرزه صناديق الاقتراع لن يكون مفاجئاً لناحية إحداث تغيير ما على مستوى الخطاب الوطني التغييري والتجديدي، وما ستفرزه الصناديق سيكون بمثابة إعادة توزيع الحصص بين قوى السلطة التي لم يقدم أي منها رؤية وطنية واضحة على المستوى الوطني، وعليه فإن حلم التغيير سيبقى مؤجلاً في انتظار ظروف ومعطيات أخرى، ما زالت بعيدة المنال حتى الآن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى