متابعات

لماذا الإعلان عن التبني الإسرائيلي لقصف مفاعل دير الزور بعد 11 عاما؟

حسين حمية

أثار قرار الرقابة العسكرية الإسرائيلية رفع الحظر عن عملية قصف المفاعل النووي السوري في دير الزور في 6 أيلول من العام 2007، هرجا إعلاميا داخل إسرائيل، وقراءة في خلفيات هذا القرار وأبعاده في خارج إسرائيل. فالسؤال: لماذا الآن؟ هو سؤال كبير، يستمد قلقه من التطورات التي تحبل بها المنطقة والعالم والآخذة بالانتفاخ مع قرارات ومواقف وإيحاءات صدرت من عواصم مختلفة.

أنكرت إسرائيل في ال2007 أي دور لها في تدمير مفاعل دير الزور، من جهتها أيضا لم تعترف سوريا بوجود مفاعل نووي على أراضيها وتمسكت بأن المبنى الذي استهدفه القصف هو مركز أبحاث علمية، ومضى الحدث الخطير دون تبعات أو ردود أفعال.

الإنكار الإسرائيلي، قام على سياسة عدم رش الملح على جرح الرئيس الاسد وعدم جرّه للرد بما يؤدي إلى خطر نشوب حرب مدمرة، أما إنكار دمشق يتلاءم مع مظهرها الدولي ونظافتها من اي شبهات نووية، لم يكن هذا الإخراج من صنع تل أبيب ودمشق وحدهما، إنما أيضا من مرجعياتهما في النظام الدولي، فهناك جانب من السلم والأمن الدوليين يقوم على الأكاذيب والتكتم والغموض.

الهرج الإعلامي الإسرائيلي، الذي يتمثل بحرب الروايات، عمن كشف المفاعل أولا، ومن اتخذ القرار بالقصف ومن عارض ومن أيّد، وما قال هذا المسؤول أو ذاك، كله كان جانييا لا يفيد في فهم القرار وأبعاده.  ولم يكن رفع الحظر لاستباق نشر رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ايهود أولمرت مذكراته والتي تتطرق لهذا الموضوع، كما أن رفع الحظر لم يكن لتلميع صورة هذا الرجل بعد أن زج به بالسجن بتهمة الفساد، وتذكير الإسرائيليين بأمجاده وشجاعة قراره بتدمير المفاعل السوري، وايضا، لم يكن رفع الحظر، لأن الديموقراطية الإسرائيلية لم تعد تحتمل حجب المعلومات عن مواطنيها، كل هذا ليس سوى زوبعة غبار ستتلاشى، لتنكشف السياقات التي يندرج فيها إفصاح تل أبيب عن تبنيها قصفها لمفاعل دير الزور.

رفع الحظر المذكور، جاء في اللحظة الحرجة، التي تقع على بعد مسافة أقل شهرين من انتهاء المهلة التي اعطاها الرئيس الأميركي دونالد ترامب للأوروبيين لتعديل الاتفاق النووي مع إيران تحت طائلة إلغائه، ويأتي أيضا من ضمن مجموعة رسائل، تبعث بها واشنطن إلى طهران تباعا، لتشكل بمجموعها الرد الأميركي في حال مضي إيران بتخصيب اليورانيوم وبناء قنبلتها النووية كما يزعم أعداؤها.

لم يكن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يتحدث من فراغ  عندما توعد بتصنيع قنبلة نووية في وقت قصير بحال استأنفت إيران برنامجها النووي، مثل هذا الوعيد السعودي ما كان ليمر بسلام ومن دون إدانات دولية لولا استناده إلى دعم أميركي، ومثل هذا الوعيد، تم أخذه على محمل الجد ولو أن السعودية لا تمتلك التكنولوجيا اللازمة لتصنيع هذه القنبلة بالسرعة التي تم التحدث عنها، فالجهات نفسها التي تريد حرمان إيران من تفوقها النووي ستتجند لقاء بدلات مرتفعة لتضع تهديد بن سلمان موضع التنفيذ، على غرار الرد الباكستاني على الهند، حيث تجربة نيودلهي النووية قابلتها تجربة مماثلة باكستانية بعد أشهر قليلة.

إلى هذا، مع تعيين ترامب السفير الأميركي الأسبق في الأمم المتحدة جون بولتون مستشارا للأمن القومي خلفا لهربرت ماكماستر، يمكن القول أن الحكومة الأميركية أو دوائر القرار في واشنطن تشبعت بأكثر الاشخاص عداء لإيران، فإلى بولتون، كان مايك بومبيو في الخارجية بعد إقالة ريكس تيلرسون، وجينا هاسبيل مديرة وكالة الأستخبارات، فهذا الفريق معروف بمواقفه الحادة تجاه سياسات باراك أوباما حيال إيران، ويريد القطيعة مع هذه السياسات، ولا يؤمن باستراتيجية احتواء إيران، إنما لديه توجهات ردعية تجاهها وعدم مهادنتها.

وإذا كان من المتوقع أن يلغي ترامب الاتفاق النووي ويعود لفرض العقوبات على طهران، هناك توقعات أيضا أن يكون الرد الإيراني هو الانسحاب من هذا الاتفاق والتراجع عن التزاماتها وبالتالي استئناف نشاطها النووي، بين هذين التوقعين اللذين ينبئان بعودة المواجهة الأميركية الإيرانية، كان الجهر الإسرائيلي وتباهي تل أبيب بقصفها مفاعل دير الزور.

رفع الرقابة العسكرية الإسرائيلية عن دور تل أبيب في قصف المفاعل الإسرائيلي، هو إشارة مزدوجة، الأولى تذكير إسرائيل محيطها بأنها قادرة على إحباط أي محاولة تقوم بها دول الجوار لتحقيق التوازن النووي معها، والثانية هي أن واشنطن لن تتوانى عن السماح أو التعاون مع تل أبيب لضرب المنشآت النووية في إيران، خصوصا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يحرض دائما بمثل هذا الاتجاه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى