Uncategorized

وداع عقل حمية…تشييع أم انتفاضة

كتب علي سلمان

صفحة فيسبوك لا يتعدى عدد متابعيها المئات، نعت عقل حمية بأقل من سطرين، وإذ في يوم دفن جثمانه بمثواه الأخير، يُفاجأ اللبنانيون أمام تشييع قلّ نظيره إن بالحشود التي سارت وراء جنازته أو بالمشاعر الصادقة التي ودعته بغضب وحزن أو  باستحضار الناس لعصره وزمنه وتاريخه، أو هذه الإزاحة لأخبار السياسيين وخلافاتهم عن مسرح الحدث ليخلو المكان للحديث عن هذا المناضل وحده.

ألوف قدمت من أربع جهات لبنان إلى طاريا القرية البقاعية النائية في سفوح الجبل الغربي، حشود لم تقرأ افتتاحية في جريدة ولا نعي حزب أو تنظيم أو مؤسسة كبرى، لم يكن هناك مكان للتجمعات أو وسائل للنقل أو انضباط أو مواكبة تلفزيونية أو رثاء على الشاشات، أناس حركهم وجدانهم ووفاؤهم وطيبتهم، فكان جنازة تليق بثائر، لا صف امامي فيها ولا سيارات سوداء ضخمة ومفيمة بأرقام زرقاء أو سوداء، ليُدفن هذا المناضل كما يُدفن أي ثائر في هذا الكون.

حشود شعبية غفيرة  تقاطرت من كل حيّ وبلدة ودسكرة، وجاءت لتودع قائدا لم يختبئ يوماً في حصن أو قلعة بل كان في مقدمة المجاهدين ممتشقاً سلاحه وفي قلبه امنية الإستشهاد  للدفاع عن المحرومين أينما كانوا، قد أثبتت هذه الحشود ولاءها المطلق لقائد حمل همومها وشؤونها وشجونها وقضاياها وإن مات، خارجة بذلك عن الولاءات الحزبية والشخصانية والسياسية، غير آبهة لمحاسبة هنا أو معاقبة هناك، جمعها بذلك حبّها لأبي شمران الذي عايشته وعاصرته على الجبهات العسكرية والفدائية والجهادية، و”الصلحات” الإجتماعية” والعائلية البريئة من كل هدف وغرض ومصلحة

فاجأ تشييع جثمان الراحل عقل حمية الأوساط السياسية والإعلامية، فليس صحيحا أن  الناس على دين ملوكهم، وسقط الإعلام اللبناني، وبات أصغر من يطفىء حدثا، الأحداث يصنعها محدثوها، وليس كاتب مقدمة نشرة إخبارية  أو كاتب مقال في جريدة ورقية أو بيان نعي لهذا أو ذاك.

لندع كل هذا. وليكن السؤال ما الذي حدث؟ التشييع كان انتفاضة على السياسيين وعلى الإعلام بصورة خاصة، ولم يكن طفرة شعبية جاءت من عالم الغيب أو نيزك لمع في الفضاء وانطفأ، أو أنه فقاعة صابون ستتلاشى مع أول نسمة، التشييع خلافا للمتوقع أو للمراد له يطرح اسئلة لا يمكن غض الطرف عما يكمن في أجوبتها.

هناك أكثر من ملاحظة ولفتة ودلالة يمكن إدراجها وتستدعي التوقف عندها، وهي لا تنوجد بذاتها، إنما بمفاعيلها، والحديث عنها يفتح فرصة للمعالجة، أما تجاهلها، فيحيلها إلى لغم ينفجر بمن تعامى عنها.

لقد قال التشييع، أن عقل حمية ليس أمير حرب إنما هو زعيم شعبي، وليس مسؤولا عسكريا إنما هو قائد عسكري، وليس خاطف طائرات إنما ثائر حامل هموم الناس ومشاكلهم، وإنه ليس طائفيا إنما هو الوطني والقومي والأممي وهو الملقب عند الإسلاميين بحمزة وعند اليساريين بغيفارا.

لقد قال التشييع إن عصا السياسة مهما تدعمت بالسلطة وجبروتها لا تسوق كل الناس خصوصا الأحرار منهم، وإن الإعلام مهما تزخرف بالبلاغة والفصاحة وإخراج الصورة لن يقطع الناس عن حقائقهم وهمومهم، والقوة الحقيقية ليست بالتحالفات العريضة على حساب مصالح الشعب إنما بالدفاع عن هذه المصالح وحمايتها.

قال التشييع، لم يعد للإعلام التقليدي سطوة صنع الحالة السياسية أو تحصينها، ولم يعد هذا الإعلام بقادر على خنق الحالة السياسية المضادة، وقال التشييع، لا للتحالفات على حساب المبادىء ولا للتسويات على حساب مصالح القواعد والبيئات الحاضنة، والأحياء الفقيرة وزواريبها هي صانعة القيادات والثوار وليست الصالونات والأبراج العاجية.

ليس المهم الآن أن تصححوا خطأ عدم المشاركة في التشييع، بالذهاب وفودا للتعزية..الأهم أن تقرأوا جيدا ما معنى أن يتمرد الناس عليكم ولو بالتشييع خلافا لرغباتكم..فهل تقرأون؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى