متابعات

لماذا التهديد بالفوضى في لبنان؟

حسين حمية

لبنان لن يعود إلى ما قبل استقالة الرئيس سعد الحريري من الرياض، ولا مجال لتسوية بالوقت الحالي بين السعودية وإيران، لا في لبنان أو في غيره من ساحات المواجهة، وما يحدث هو العكس تماما، هو زمن احتدام الصراع والتسابق على اكتساب أوراق القوة إلى أن يحين موعد اتفاق الأميركي والروسي على الجلوس على طاولة إعادة ترتيب المنطقة وتوزيع الأدوار والنفوذ فيها بين اللاعبين والوكلاء.

المناخات والظروف التي أسهمت في ما يُسمى التسوية الرئاسية وجاءت بميشال عون رئيسا للجمهورية وسعد الحريري رئيسا للحكومة، واستمرت قرابة السنة، كانت وليدة تفاهم أميركي روسي ناقص وغامض، كان تركيزه على مسألة القضاء على داعش وتلافي اي احتكاك بالخطأ بين طيرانهما أثناء العمليات القتالية في الأجواء السورية، وهو هذا التفاهم كان المظلّة الفاعلة للتسوية المذكورة والاستقرار اللبناني.

مناخات وظروف جديدة هي التي تسود اليوم مع اقتراب الخلاص من مهمة إخراج داعش من آخر الجيوب التي يتواجد فيها، وهي انتهاء مفعول التفاهم الروسي الأميركي، والانتقال إلى مرحلة ما بعد داعش في غياب أي اتفاق بينهما حولها، لا بل تنافس وتسابق على إحراز ما أمكن من المكاسب على أن يتم تقريشها سياسيا في المفاوضات والحلول المنتظرة، و هذا أشار إليه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بقوله ” أن ما يجري اليوم هو إعادة هيكلة المنطقة”، والمقصود في هذه الهيكلة، هو تحويل أدوار اللاعبين الإقليميين أو المحليين على الأرض إلى مراكز القرار في الكيانات، أي تعديل تحاصص السلطة بين مكونات الدول، إن في سوريا أو العراق أو اليمن، مع انفتاح اللعبة على بلدان أخرى.

لم تشأ السعودية في دفعها الحريري للاستقالة ترتيب هجوم عسكري للسيطرة على لبنان، هي ليس لديها هذا المشروع وليست بهذا الوارد، إنما المُراد، هو إعادة توظيف الاستقرار اللبناني في مرحلة ما بعد داعش، أو بالأحرى إعادة النظر في استثماره دوليا، فهذا الاستقرار في ظل التسوية الرئاسية أو ما قبل استقالة الحريري تميل كفته بطريقة راجحة لمصلحة إيران، كونه لا يفرض قيودا على حركة حزب الله العسكرية في مسارح الصراع السعودي الإيراني.

الاستقرار هو من صنع القوى القادرة على إحداث الفوضى، وفي لبنان تحتكر كل من الرياض والسعودية هذا الامتياز، وعلى هذا، هو “سلعة” دولية، يقبل على الاستثمار فيه الأوروبي لحماية بلدانه من موجات جديدة من اللاجئين، وشركات الطاقة، كونه يسهّل عملية استثمار الغاز اللبناني، ويتصل ايضا في محاربة الإرهاب المطلوب أميركيا وروسيا وأوروبيا وصينيا.

بعد عودة الحريري إلى لبنان، ولو ستتخذ مظاهر معالجة استقالته شكل اللبننة، إلا أن هذا لن يفرغ هذه الأزمة من طابعها الدولي، وبمجرد قول الوزير السعودي ثامر السبهان ما قبل الاستقالة ليس ما بعدها، هذا الكلام ليس حصرا للإيرانيين وحلفائهم اللبنانيين، إنما أيضا للجهات الدولية المتضررة من أي فوضى لبنانية.

كلا الطرفين الإيراني والسعودي، لن يعير كثيرا أهمية الأثمان المحلية للأزمة اللبنانية المتولدة عن استقالة الحريري، فالأرباح والخسائر في أمكنة أخرى، بدءا من توسيع الجبهة الدولية لمحاصرة إيران في الملف النووي أو إلهائها عن تعظيم حصتها في الكعكة السورية، إلى تخفيف الحملة الدولية على السعودية إن لحربها المدمرة في اليمن أو في الملف القطري أو تحديد وجهة استثمارات أمرائها المالية في الأسواق العالمية.

يبقى السؤال، كيف سيتم حماية الاستقرار اللبناني؟ الإجابة هي في مراقبة أسعار الفوضى اللبنانية في سوق الصراعات الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى