متابعات

هل انتهت “الفتنة” في إيران؟

حسين حمية

يجدر التوقف عند كلام السفيرة الأميركية في الأمم المتحدة نيكي هايلي أمس عن إمكانية تحول الاحتجاجات الأخيرة في إيران إلى نزاع شبيه بما حصل في سوريا.

يمكن تفسير تحذير هايلي البعيد المدى نسبيا، بأنه موجه للروس لثنيهم عن معارضة بلادها في استخدام مجلس الأمن الدولي كمنصة ضغط على إيران، بغية إجبارها  إيران على إحداث تغييرات داخلية تعدّل من سلوكها الإقليمي والدولي، لكنه موجّه أيضا للنظام الإيراني في حال عدم امتثاله للطلبات الأميركية.

على الرغم الحساسية العالية التي يبديها الإيرانيون من التدخلات الأجنبية حيال أمورهم الوطنية والقومية، إلا أن التاريخ الإيراني الحديث ما زال يحمل بصمات قوى خارجية أفادت من تناقضات التركيبة الإيرانية وتضارب مصالح مكوناتها، ومكّنتها من إدارة دفة التغييرات الداخلية لمصلحة أطماعها الاقتصادية وأهدافها السياسية.

في ما يسمى الثورة الدستورية أو المشروطة ( 1905- 1907) ضد مظفر شاه القاجاري (ت1907)، كانت هذه الثورة التي ارست أولى مداميك الدولة الإيرانية الحديثة، تلقى تشجيعا بريطانيا لتزاحم بها المصالح الروسية، وفي الانقلاب على حكومة محمد مصدق (ت 1967) الذي نظمته ال سي آي إي في العام 1953 مع الشاه والجيش وقوى دينية كان الهدف منه إلغاء تأميم النفط وتخفيض حصة الشركات البريطانية لمصلحة الشركات الأميركية، وفي ثورة 1979 التي قادها الإمام الخميني (ت1989)، كان واضحا التخلي الأميركي عن الشاه محمد رضا بهلوي (ت 1980) بعدما حاول أن يشب عن طوق واشنطن إن في رفعه أسعار النفط أو في برامجه التسليحية.

حديث السفيرة الأميركية عن توقعها انقلاب الاحتجاجات الشعبية في إيران إلى نزاع شبيه بما يحصل في سوريا، يضمر نية تدخل بلادها بوسائل أخرى في حال سدت موسكو عليها هذا الطريق من خلال مجلس الأمن، اضف أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أفصح علنا عن هذه النية، فبعدما أعلن قائد الحرس الثوري محمد علي جعفري عن “انتهاء الفتنة” بادر ترامب مغردا، بأنه سيقدّم دعما كبيرا للمحتجين في الوقت في المناسب، وقبل هذا، كان تحدث عن أوان تغيير النظام.

غالبا ما يجري المراقبون والمتابعون حسومات كبيرة على تهديدات ترامب، ومرد ذلك، إلى نكوصه وتراجعه عن الكثير من المواقف والتعهدات التي أخذها على نفسه إن في حملته بالانتخابية أو أثناء وجوده في البيت الأبيض، مثل هذه التقلبات ظهرت في تعامله مع الصين ونووي كوريا الشمالية ومنعه رعايا دول إسلامية من دخول الولايات المتحدة، لكنه في قضايا أشد خطورة خالف كل التوقعات، ومضى في تنفيذ وعوده وتهديداته غير آبه للكوارث التي قد تنجم عنها، وهذا ما فعله بإخراج بلاده من الاتفاق المناخي أو باعترافه بمدينة القدس عاصمة إسرائيل.

لكن ماذا عن وعيده الإيراني؟ أكثر من مؤشر يوحي بأن إدارة ترامب لن تكتفي بسياسة الاحتواء مع إيران كما تعاطت الإدارة السابقة لأوباما، وهذا ما يفسره بإعادة طرحه الملف النووي وبرامج إيران  للصواريخ البالستية وتهديده باستئناف العقوبات بالرغم من تأكيد الوكالة الدولية للطاقة الذرية احترام إيران لبنود الاتفاق النووي، فالقضية عند إدارة ترامب ليست خشية من خطر النووي الإيراني، فهذا ليس سوى شماعة لتكبيل إيران بالعقوبات، فالقضية مرتبطة بإعادة هيكلة المنطقة وتوزيع حصص النفوذ على اللاعبين الإقليميين فيها، بعدما أثبتت الأحداث تضخم الحصة الإيرانية قياسا لبقية المنافسين.

أكثر ما حيّر المراقبين، هو كيف سيساعد ترامب المحتجين، وتعبيرا عن ضعف حيلة واشنطن وعجزها في التأثير بالداخل الإيراني، ردت صحيفة نيويورك تايمز على هذا السؤال، بالقول “أن يسكت ترامب”، على اعتبار أن تغريدات الرئيس الأميركي تضعف المحتجين وتمنح الأعذار المناسبة للنظام لقمع التظاهرات وتشديد الاحكام القضائية على المعتقلين.

لكن دولة بقدرات الولايات المتحدة الأميركية لن تعجز عن التصويب على نقاط الضعف في النظام الإيراني، وهذا ما يستشعره الروس بتحذيراتهم من تدخل خارجي يزعزع الاستقرار في إيران، ومثل هذه التحذيرات وإن كانت لمؤازرة طهران ومساندتها، إلا أنها تنطوي ضمنا على مخاوف من وضع ترامب وعوده للمحتجين موضع التنفيذ.

لدى واشنطن الكثير من الأدوات الاقتصادية والسياسية والإعلامية للتلاعب والتأثير بالداخل الإيراني، فالعودة إلى نظام العقوبات والحصار كما يهدد ترامب ستعمّق الأزمة الاقتصادية وتوسع القاعدة الشعبية المتذمرة من سياسات النظام الإيراني الذي لا يملك خيارات فعّالة لانتشال البلاد من براثن الفقر والبطالة وتفشي الأوبئة الاجتماعية، كذلك دفعها (أي واشنطن) إلى الواجهة الإعلامية الأمير رضا بهلوي (ابن شاه إيران) ومريم رجوي التي تتزعم منظمة مجاهدي خلق، وأيضا قدرتها على كسر اي حصار أو حظر تفرضه السلطات الإيرانية على وسائل التواصل الاجتماعي والميديا، ناهيك عن التدخلات الاستخبارية.

لقد اعتمد معظم المحللين لدى حكمهم على فشل الاحتجاجات الإيرانية، على أنها من دون قيادة وقلة أعداد المتظاهرين والآلة القمعية الهائلة للنظام، لكن من يعود للتاريخ الإيراني أو لتاريخ الثورات كلها، لا يلتفت لمثل هذه الأحكام، هناك كثير من الثورات والانتفاضات فجّرتها شخصيات ثانوية، وعلى سبيل المثال، لم يكن الإمام الخميني معروفا في العام 1963 على نطاق واسع عندما قاد انتفاضة بوجه الشاه وأجبره على التراجع عن مصادرة أراضي الطبقة الوسطى والأوقاف وعدم التدخل في شؤون التجار.

لقد أظهرت الاحتجاجات الأخيرة، تراجع إيديولوجية النظام الإيراني وعجزها عن توفير بيئة آمنة لسياساته، بعدما كانت هذه الإيديولوجية تغنيه عن الإنجازات الاقتصادية واستخدام الآلة القمعية لحماية اللحمة الداخلية، وهذا التراجع مرده الحصار الخارجي والحروب والفساد الداخلي والفقر والبطالة والغياب النسبي للحريات.

كان يمكن للسياسات الاقتصادية الإيرانية المتوازنة أن تسدّ النقص الإيديولوجي، لو كان ذلك بالتوقيت المناسب، وقبل أن تتصدع بنيات الاجتماع الإيراني واتساع شقوقه بما يسمح للقوى الخارجية بالنفاذ منها إلى الداخل، في حين أن الحلول الأمنية لن تفيد سوى بشراء أوقات قصيرة لابتداع معجزة اقتصادية لن تحدث إلا بتسوية وطنية كبرى تسابق التهديدات الأميركية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى