Uncategorized

محمد بن سلمان..أتاتورك سعودي أم مغامرة لتفجير الحروب والكوارث

انحصرت قراءة التغييرات التي يحدثها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في بلده بأبعاد قصيرة المدى، وتعاملت معها كحدث تقليدي، تتراوح بين أمير يمّهد لتولي العرش عبر إجراءات تقرّبه من الغرب، وبين انتهاجه سياسة متشددة في ما يتهدد مصالح دولته خلافا لسياسات المملكة سابقا.

هذه القراءة الناقصة تتوقف عند كيفية توظيفها بالصراع الإيراني السعودي، ولم تكن تبحث عن أبعاد تلك التغييرات وآفاقها والآثار المترتبة عنها سعوديا وإقليميا ودوليا.

هناك في الغرب من لا يتعامل مع ما يسمى “رؤية السعودية 2030” التي أطلقها محمد بن سلمان بهذه القراءة الضيّقة، ويسند إلى هذا المشروع لعبة ضخمة جدا على مستوى المنطقة والعالم، يتوقف على نجاحه أو فشله تداعيات كبيرة تسهم في تحديد مصير المنطقة.

وزير الخارجية الألماني الاسبق يوشكا فيشر، يعيد قراءة المواجهة السعودية الإيرانية على ضوء مشروع التحديث الذي يقوده محمد بن سلمان في المملكة، ويتوقع أن تصحب هذا المشروع توترات في أكثر من مكان في المنطقة بما في ذلك خطر نشوب حرب أهلية في لبنان، على أن ترسم صورة المنطقة بريشة الصراع السعودي الإيراني لتحل محل مشهدية الصراع العربي الإسرائيلي.

        حسين حمية   

في ما يلي نص مقالة فيشر نقلا عن موقع “بروجيكت سنديكيت”، مع الإشارة إلى تعديل عنوانها، حيث كان عنوانها، “الثورة من فوق”

بعد مرور سبع سنوات منذ أطلق الربيع العربي العنان لموجة من الحماس الثوري في معظم أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تلحق المملكة العربية السعودية الآن بالركب أخيرا، وإن كان ذلك بطريقتها الخاصة الفريدة من نوعها. فالآن يطالب جيل أكثر شبابا بتحديث المملكة المحافِظة، ولا يتولى القيادة شباب ثوري في الشوارع، بل الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد والوريث الواضح للعرش، الذي يبلغ من العمر 32 عاما.

من المنظور السكاني والجغرافي، تُعَد المملكة العربية السعودية واحدة من أكبر الدول العربية، وقد جعلتها ثروتها النفطية المذهلة شريكا استراتيجيا لا غنى عنه للغرب، وخاصة الولايات المتحدة. ولكن بوصفها دولة عالقة بين العصور الوسطى الإسلامية والحداثة الغربية، لم تخل المملكة قط من تناقضات شديدة. ففي مكة والمدينة (الحرمين الشريفين)، حيث المواقع الأكثر قداسة في الإسلام، نجد أحدث مرافق البنية الأساسية ومراكز التسوق على الطراز الأميركي.

ولكن حتى يومنا هذا، تُعَد المملكة العربية السعودية موطنا لمجتمع قَبَلي مناهض للغرب، تحكمه أسرة واحدة، بيت آل سعود، كَمَلَكية مطلقة منذ تأسيس الدولة في عام 1932. وتبدو أنظمتها الأخلاقية والقانونية وكأنها تعود إلى العصور الوسطى في نظر أغلب الغرباء. وهي تتمسك بنسخة متطرفة رجعية من الإسلام تُعرَف بالوهابية، وهي العقيدة السلفية التي تحكم العديد من الجماعات الإسلامية الأكثر تطرفا اليوم.

ونظرا للانخفاض الطويل الأجل الذي شهدته أسعار النفط، والحاجة إلى توفير التعليم والوظائف لشعب شاب سريع النمو ــ وحماية أفراده من التحول إلى التطرف ــ فمن الواضح أن الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان خلصا إلى أن البلاد في احتياج إلى التحديث. ولتجنب الانحدار البطيء أو حتى التفكك في نهاية المطاف، بادرا إلى اتخاذ التدابير اللازمة لتحويل السعودية إلى بلد منفتح، ليس اقتصاديا فحسب، بل وأيضا اجتماعيا وثقافيا.

في وقت سابق من هذا الشهر، أمر محمد بن سلمان ــ الذي يبدو وكأنه دَرَس النهج الذي اتبعه الرئيس الصيني شي جين بينج لتوطيد سلطته ــ بإطلاق ما وصفته الحكومة السعودية على أنه حملة تطهير ضد الفساد. وبالفعل، ألقت السلطات القبض على العشرات من الأمراء رفيعي المستوى، والوزراء السابقين، ورجال الأعمال الأثرياء من ذوي النفوذ، وجمدت حساباتهم. جاءت حملة التطهير بعد فترة ليست طويلة من الإعلان عن رفع الحظر المفروض على قيادة النساء للسيارات وحضور الأحداث الرياضية العامة. ومن الواضح أن القيادة الجديدة في المملكة العربية السعودية تعتزم تنظيم وإدارة ثورة حقيقية من الأعلى.

ولكن لا ينبغي لنا أن ننسى أن آخر حاكم مستبد في الشرق الأوسط حاول تجاوز رجال الدين الإسلامي في بلده والقيام بثورة من أعلى إلى أسفل كان شاه إيران، محمد رضا بهلوي. ففي نهاية المطاف اكتسحت ثورة إيران الإسلامية “ثورته البيضاء” في عام 1979.

لا يملك المرء إلا أن يأمل أن يكون مصير ثورة محمد بن سلمان أفضل. ففي حال فشلها، سيبدو الملالي في إيران أشبه بالليبراليين مقارنة بالسلفيين المتطرفين الذين سيستولون على السلطة في الرياض. وإذا نجحت ثورته في تحديث المعقل الرئيسي للنسخة الرجعية من الإسلام، فستصبح الساحة ممهدة لدول أخرى في مختلف أرجاء العالَم الإسلامي للقيام بنفس الشيء.

وكجزء من هذه الأجندة، أطلق محمد بن سلمان أيضا سياسة خارجية جديدة، وخاصة في التعامل مع إيران. الواقع أن أنصار التحديث المحيطين بالأمير محمد بن سلمان يعرفون أن نجاح الثورة يتطلب كسر شوكة الوهابية بإحلال القومية السعودية محلها. ولتحقيق هذه الغاية فإنهم يحتاجون إلى عدو مُقنِع: وهنا تشكل إيران الشيعية، التي تتنافس معها المملكة على الهيمنة الإقليمية، الوجه المغاير المثالي.

تساعد هذه الاعتبارات المحلية في تفسير لماذا اختارت المملكة العربية السعودية إلقاء القفاز وتصعيد التوترات مع إيران في الأشهر الأخيرة. بطبيعة الحال، من منظور السعوديين، كان إلقاء القفاز من جانبهم ردا على التحدي الذي تفرضه إيران بالتدخل في العراق، وسوريا، ولبنان، والبحرين، وقطر، واليمن، ودول أخرى.

حتى الآن، كانت المعركة حول الهيمنة الإقليمية بين المملكة العربية السعودية وإيران تقتصر على حروب الوكالة في سوريا واليمن، مع عواقب إنسانية كارثية. ولا يبدو أن أيا من الجانبين راغب في صراع عسكري مباشر. ومع ذلك، لا يمكن استبعاد هذه النتيجة، نظرا للتطورات الأخيرة. وفي الشرق الأوسط، ربما تتحول حرب باردة إلى حرب ساخنة بسرعة بالغة.

في الأمد البعيد، سوف تشكل المنافسة السعودية الإيرانية هيئة الشرق الأوسط على نفس النحو الذي كان عليه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ذات يوم. ولنتأمل هنا على سبيل المثال الواقعة التي حدثت قبل ساعات من إطلاق الأمير محمد بن سلمان حملة التطهير ضد الفساد: فأثناء زيارة قام بها إلى المملكة العربية السعودية، أعلن رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري استقالته من منصبه. ووفقا للحريري، فإن الجماعة الشيعية المسلحة الموالية لإيران والحزب السياسي المسمى حزب الله، الذي تقيم معه حكومته علاقة تستند إلى تقاسم السلطة، حعل حكم لبنان أمرا مستحيلا، وربما يخطط لقتله.

غير أن الحريري، الذي اغتيل والده رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري في عام 2005، أثار من التساؤلات أكثر مما قدمه من إجابات. فلماذا يترك منصبه الآن؟ هل يعمل تحت ضغوط سعودية، وإذا كان الأمر كذلك، فما هي الغاية؟

بعد فترة وجيزة من إعلان الحريري، اعترضت السعودية صاروخا أطلقه المتمردون الحوثيون في اليمن باتجاه الرياض. ووفقا للملكة العربية السعودية، لأن الحوثيين مدعومون من إيران، فإن محاولتهم استهداف الرياض بغارة صاروخية كانت بمثابة “عمل من أعمال الحرب” من قِبَل إيران.

من غير الممكن أن تكون هذه الفورة من التطورات غير العادية في مثل هذه الفترة القصيرة مصادفة. والسؤال الآن هو ما إذا كانت الحرب الأهلية ستعود إلى لبنان، وما إذا كانت المملكة العربية السعودية لتحاول إشراك إسرائيل والولايات المتحدة في مواجهة مع حزب الله لصد إيران.

في الوقت الراهن، يفتقر السعوديون إلى القدرة على القيام بذلك بمفردهم. ففي السنوات الأخيرة، عانت المملكة العربية السعودية من هزائم كبيرة في صراعها الإقليمي من أجل الهيمنة. فقد طُرِدَت الأقلية السنية من السلطة في العراق؛ وتمكن نظام بشار الأسد المدعوم من إيران من التشبث بالسلطة في سوريا. وربما يبحث الأمير محمد بن سلمان عن سبل لتعويض هذه الهزائم، في لبنان أو أي مكان آخر.

الواقع أن ثورة المملكة العربية السعودية من الأعلى مسعى بالغ الخطورة ولابد أن تكون نظرة المراقبين المحايدين له متضاربة متأرجحة. فبرغم أن السماح لهذا المسعى بالفشل أمر غير وارد، في ضوء ما قد يترتب على فشله من كوارث، فمن المرجح أن يكون نجاحه مصحوبا بزيادة هائلة في التوترات الإقليمية واحتمال نشوب حرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى