متابعات

هل لبنان على عتبة حرب نفطية.. وأين روسيا من هذه الحرب؟*

تتشكل في الشرق الاوسط معالم مواجهة جيوسياسية جديدة، ليس فقط بين اسرائيل وسوريا او ايران. كمعظم الصراعات هناك، تشمل أيضا صراعاً على مصادر الهيدروكربون والنفط والغاز. التركيز الجديد هو الخلاف بين اسرائيل ولبنان على تعيين الحدود الدقيقة للمنطقة الاقتصادية الحصرية بين البلدين، اللاعبون الاساسيون حالياً بالاضافة الى الحكومتين اللبنانية والاسرائيلية هم روسيا، حزب الله اللبناني، سوريا، ايران وخلفهم اميركا بالظل. ان الهجوم الاسرائيلي الاخير على القواعد الايرانية المزعومة او مراكز حزب الله داخل سوريا يرتبط الى حد وثيق بهدف اسرائيل في منع تشكل رابط بَري من ايران الى سوريا وصولا الى البُنية التحتية لحزب الله في لبنان. الوضع العام ككل قد يقود الى حرب قذرة اوسع لا احد يريدها او على الاقل لا يريدونها.
في عام 2010 تغيرعلم السياسة الطبيعية في منطقة البحر الابيض المتوسط بشدة، وذلك عندما اكتشفت شركة “نوبل” للطاقة من تكساس وجود كمية هائلة من الغاز الطبيعي قبالة الساحل الاسرائيلي شرق المتوسط والذي يحمل اسم حقل “ليفياثان”، وهو احد اضخم حقول الغاز المكتشفة اكثر من 10 اعوام، لاحقا اكدت نفس الشركة الاميركية وجود مصادر غاز بارزة قبالة الساحل القبرصي بالقرب من حقل “ليفياثان” الاسرائيلي والمُسمى “ايفروديت”. حتى الامس القريب ادى الشلل السياسي داخل لبنان والحرب في سوريا الى منع لبنان من نشاطات التنقيب على الغاز والنفط المُحتملين قبالة سواحله . تغير هذا الامر الآن وبسب ذلك بدأ التوتر بين اسرائيل ولبنان يتصاعد مع تدخل روسي واضح في لبنان.
في احتفال في بيروت في 9 شباط الماضي بحضور الرئيس ميشال عون، وقع رؤساء شركات توتال، A&A ونوفاتيك الروسية الاتفاق الاول للتنقيب عن الغاز والنفط في المنطقة الاقتصادية الحصرية للبنان قبالة الساحل اللبناني. ادى هذا الامر الى شن هجوم عنيف من وزير الدفاع الاسرائيلي ليبرمان معتبراً مناقصات التنقيب استفزازية جدا قائلاً: “ان لبنان وزع دعوات تطلب من شركات دولية التنقيب عن حقل غاز هو لاسرائيل في كل الحسابات”.
لقد أُجريت مناقصات الطاقة من قبل لبنان في ظل خلفية علاقات دفاعية دراماتيكية جديدة بين روسيا ولبنان، ما اوجد حسابات تفاضل وتكامل سياسية جديدة في منطقة الشرق الاوسط.
ما هو واضح عند هذه النقطة بعد ثمانية اعوام من اكتشاف الغاز قبالة الساحل الشرقي للمتوسط، هو ان المنطقة غنية بالهيدروكربون الذي لم يكن باستطاعة اسرائيل ولبنان العثور عليه سابقاً. بالنسبة الى لبنان ولتطوير مصادره الخاصة من الغاز الطبيعي قد تكون مصادفة سعيدة بالمعنى الحرفي للكلمة. يعاني لبنان من انقطاع يومي في التيار الكهربائي لان ساعات الذروة تتطلب زيادة الانتاج بنسبة كبيرة جداً ونظراً لعدم وجود غاز او نفط، على لبنان استيراد الديزل باسعار باهظة تتسبب بخسارة سنوية تقدر بحوالي مليارين ونصف مليار دولار، لبنان هو احد اكثر البلدان عجزاً مع بلوغ عجز الناتج القومي المحلي نسبة 145 % لقد ادت الحرب السورية والمأزق السياسي اللبناني الى تجميد عمليات التنقيب حتى الآن.
اجرت شركة “سبيكترام” البريطانية مسحاً جيوفيزيائياً على المنطقة المقابلة للساحل اللبناني في حوض “ليفانت” قُدرت من خلاله ان المياه اللبنانية تحتوي على 25 تريليون قدماً مكعباً من الغاز الممكن الاستفادة منه اقتصادياً. ان تطوير حقول الغاز هذه قد يقلب الاقتصاد اللبناني راساً على عقِب، ولكن حتى الآن فان الحرب السورية والشلل السياسي داخل لبنان منعا اعمال التنقيب في المنطقة، الافاق واعدة بما يكفي بحيث ان تكتُلا عالميا تقوده شركات توتال الفرنسية العملاقة E & I الايطالية ونوفاتيك الروسية المقربة من الرئيس بوتين فد خطت خطوات الى الامام للحصول على امتياز التنقيب. لقد اعلنت شركة توتال بان عملية حفر البئر الاول سوف تبدأ العام المقبل بالبلوك رقم 4 غير المُسلّم به، وبأن البئر الثاني سيكون في البلوك رقم 9 الواقع جزئيا داخل منطقة تزعم اسرائيل انه لها. اعلنت شركة توتال سريعاً ان اعمال التنقيب في البلوك رقم 9 ستجري على بعد 15 ميلاً من المنطقة المتنازع عليها مع اسرائيل.
ولكن رغم ذلك تعترض الاخيرة بشدة على هذا الامر. يوجد نزاع بحري بين لبنان واسرائيل، على مساحة حدودية ثلاثية بحرية تبلغ 330 ميلاً مربعا على طول ثلاثة اطراف من بلوكاته العشرة.
هل تقف روسيا على الحياد بين لبنان واسرائيل!
انطلاقا من الصراع القائم على مصادر الطاقة في المنطقة ليست صدفة ان يرحب لبنان بمشاركة شركة نوفاتيك الروسية بتطوير مصادره النفطية قبالة الساحل، حيث سمحت الحكومة الرسية لوزارة دفاعها باعداد معاهدة تعاون عسكرية، تتضمن اطاراً شاملاً للتعاون مع الجيش اللبناني، ويتضمن اطار العمل تدريبات عسكرية مشتركة مع السماح لروسيا باستخدام الموانئ والمطارات اللبنانية، كما يتضمن التعاون الروسي اللبناني تبادلاً للمعلومات عن وسائل الدفاع وتعزيز قدرات الامن الدولية، تفعيل التعاون المناهض للارهاب، تطوير التعاون المشترك في مجالات تدريب الكوادر، التدريب العسكري، وبناء القوات المسلحة تبادل الخبرات المعلومات التقنية، انشاء اليات للتعاون بين جيشي البلدين، بالاضافة الى وجود القواعد العسكرية الروسية الدائمة في قاعدة حميميم الجوية السورية، والقواعد البحرية الروسية في ميناء طرطوس في البحر الابيض المتوسط فان هذا الامر يعد تحركاً رئيسياً في دور روسيا لاطلاق دوراً دائما لها في المنطقة المتقاتلة كوسيط سلام مع تراجع مصداقية وعود واشنطن. هذا الاتفاق الروسي اللبناني ليس موجوداً على قائمة اماني نتنياهو، فالهجمات الاسرائيلية داخل الاجواء السورية منذ العاشر من شباط تشير الى ما يبدو انه قرار استباقي اسرائيلي في محاولة لتعطيل خطوط امداد الامرالواقع الايرانية السورية اللبنانية التي قد تحفظ صمود حزب الله في لبنان والذي بدأ يظهر جليا في الاشهر الاخيرة.
اسرائيل تحذر بوتين من حزب الله.
اذا كان من إمكانية لنشوب حرب جديدة اسرائيلية لبنانية سورية، فانها لن تكون من اجل سيطرة بسيطة على مصادر النفط او الغاز في المياة الاقليمية اللبنانية. السبب الحقيقي سيكون حزب الله اللبناني الميليشيا الشيعية المدعومة من ايران والذي يلعب دوراً اساسياً في الوقوف الى جانب بشار الاسد وروسيا في الحرب السورية، اذا استطاع لبنان بنجاح تطوير الغاز قبالة سواحله فان هذا سيؤدي الى تطوير الاقتصاد اللبناني وخفض نسبة البطالة المرتفعة كما سيؤدي بحسب وجهة نظر نتنياهو الى ترسيخ حزب الله في السلطة كعامل استقرار اساسي، قبيل الهجمات الاسرائيلية الاخيرة داخل سوريا حملت الصحافة الاسرائيلية عناوين استفزازية احدثها ما ذكرته صحيفة “جيروزاليم بوست” الناطقة باللغة الانكليزية.
5 اسباب تجعل اسرائيل مستعدة للحرب مع حزب الله في لبنان، في شهر ايلول سبتمبر من العام الماضي اطلق جيش الدفاع الاسرائيلي لعبة حربية تحاكي مواجهة مع حزب الله، تَدرب الجنود الاسرائيلين على الانتقال من وضعية الدفاع الى وضعية الهجوم ونفذوا مناورات صممت لتتناسب مع منطقة جنوب لبنان.
في شهر نوفمبر الماضي طُرحت جبهة ثانية في الحرب الاسرائيلية المحتملة ضد حزب الله، عندما استدعى الامير السعودي محمد بن سلمان، وبشكل مفاجىء رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري الى الرياض لقراءة استقالته المُعدة سابقاً. في الخطاب حذر الحريري من انه في حال عدم توقف حزب الله عن دعم القوى المناهضة للجيش السعودي في اليمن والقوى التي تحارب الاسد في سوريا فان السعودية في صدد فرض حظر اقتصادي على لبنان كالذي فرضته على قطر سيكون لهذا الامر تداعيات سلبية جداً مع اعتماد الاقتصاد اللبناني على عداد 400 الف لبناني يعملون في الخليج والذين يرسلون حوالي 8 مليارات دولار سنوياً الى بلدهم. عند هذه النقطة وجد نتنياهو نفسه في تحالف مفتوح مع الامير السعودي محمد بن سيلمان ومن خلفهما واشنطن لمعارضة ايران والتأثير الايراني في سوريا ولبنان واليمن بعد زيارة نتنياهو السرية الى الرياض في شهر سبتمبر ايلول الماضي.
مع إعلان إدارة ترامب إزدياد عدائها لايران بالاضافة الى اعترافها الأُحادي الاستفزازي بالقدس عاصمة لاسرائيل فان الشروط المسبقة لشن اسرائيل حربا ثالثة على لبنان مدعمومة من اميركا وبعقوبات اقتصادية سعودية مستخدمة ذريعة المطالبات الاقليمية بالمياه اللبنانية ستتصاعد وتتحول الى حرب اوسع على الشرق الاوسط بادخال وجودها العسكري الهائل بالاضافة الى حضورها في مجال الطاقة في لبنان عند هذه النقطة قد تشكل روسيا الحاجز الوحيد للحريق في الشرق الاوسط.
التصعيد الدرماتيكي للهجوم الاسرائيلي على دمشق واسقاط سوريا لطائرة اف 16 اسرائيلية هي الاولى منذ العام 1982 ورد الفعل الاسرائيلي غير المتكافىء على الاهداف السورية تتشير الى مدى تفجر المنطقة ككل. هناك تحليل ممتاز يوصف حال المنطقة كتبه غسان القاضي في موقع “صقر بلوغ” يقول فيه: “التصعيد الحالي بين سوريا واسرائيل ليس مقدمة لحرب اكبر، لا احد يريد حرباً على الاقل الان حيث ان الجميع يخشى من الاضرار التي ستصيبهم تستمر اسرائيل باختبار المياه واختبار قدرات الدفاع الجوي السورية وفوق كل ذلك تختبر عزيمة سوريا واصرارها على ايجاد توازن الحقيقي للقوى في الشرق الاوسط”. من خلال هذه المقالة يبدو وكان اسرائيل قد استخدمت ذريعة الطائرات الايرانية المُسيرة واسقاط طائرة اف 16 الامر الذي نفته سوريا لاطلاق تحقيقات جس نبض عن امكانية مُضي روسيا وايران قدما بالرد . اذا كانت مَقدرة روسيا على احتواء هذه القوة من حرب شاملة غير واضح بعد، فان قرار روسيا بتوقيع معاهد تعاون عسكري مع لبنان بالتزامن مع فوز شركة نفطية روسية بحقوق التنقيب عن النفط والغاز قبالة السواحل اللبنانية لا يعتبر قراراً ارتجالياً وليد اللحظة، انها نقلة شطرنج محسوبة في أكثر المناطق المعقدة في العالم.
من اجل صالح البشرية دعونا نامل في ان يؤدي ذلك الى كبح جماح اسهم الحرب.
*ترجمة علي حمدان – عن غلوبال ريسريتش

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى