مواسم

سعد الحريري في ذكرى والده .. سأخرج من عباءة أبي

كتب خالد صالح

وسط الحشود المتدافعة على مداخل ” البيال ” رأيته بكامل هيلمانه وإبتسامته العريضة وأناقته، كان يزاحم الوافدين من دون أن ينتبه إليه أحد، ولدى ولوجه قاعة الإحتفال أخذ يبحث عن ركن مطل على كل أرجاء المكان ليراقب المحتفين بذكرى إغتياله الثالثة عشرة .. لقد رأيتُ رفيق الحريري .
النشيد الوطني وقوفاً، نظرت ناحيته، تعمّقتُ في حركة شفتيه مع إفتتاحية النشيد ” كلنا للوطن “، أخفى وجهه بين يديه وكأنه يواري سيلاً من الدموع، وقرأت من حركته تساؤلاً مرّاً وصعباً : هل حقاً ” كلنا للوطن ” ؟.
نظرت حولي ذات اليمين وذات اليسار، هل رأيتم ما رأيت، هل لمحتم رفيق الحريري ؟ ..
يااه .. الكل منشغل بالتنظيم، بالتفتيش الآلي واليدوي، بإرشاد الناس إلى أماكنهم حسب بطاقات الدعوة، في الخلف الجميع يقفز على الكراسي لإلتقاط الـ ” سيلفي “، شاشات الهواتف المحمولة تزين القاعة، والإضاءة الخفيفة تتيح الفرصة لمشاهدة هذا الأمر، تتعالى الهتافات من هنا وهناك، حاولت الصراخ لإيماني ” الصوت ب يودّي ” فلم يخرج صوتي من حباله، أيها الناس أنظروا، ها هو رفيق الحريري بيننا، يتابع عن قرب نجله وهو يرسم الخطوط العريضة لسياسة مختلفة فيها الكثير من روح رفيق الحريري وإيمانه بلبنان .
حاولت مرّات ومرّات أن أخترق صفوف الحشود عسى أن أصل إلى رفيق الحريري، لكن هيهات، الأنظار كلها شاخصة ومشدودة إلى مسرح البيال، وإلى ذلك الباب على يمين المنصة، الجميع ينتظر سعد، يترقب مواقف سعد، رؤية زعيمه للمرحلة المقبلة، ولم يلتفت أحد إلى صاحب الذكرى، الذي يجلس في ذلك الركن .. يراقب بصمت !!
في ” البيال ” كان رفيق الحريري حاضراً بقوة من دون أن يُلفت إنتباه أحد إليه، طوى ثلاثة عشر عاماً مرتين، الأولى مرحلته هو بين الـ 1992 و الـ 2005، والثانية مرحلة نجله القابع في ظله بين الـ 2005 والـ 2018، وكأنه كان ينتظر أن يستمع من هذا الشاب العبارة التي تُكرسه زعيماً لمرحلة جديدة ” اليوم سأخرج من عباءة أبي ” .
إستمع رفيق الحريري إلى خطاب سعد، تبسّم لدى تأكده أن نجله متمسكٌ بثوابته، كل الحب لهذا البلد، كل الإنتماء للعروبة، أفضل العلاقات مع الأشقاء العرب، الحرص على الوحدة الوطنية وعدم التفريط بمكتسباتها على الإطلاق، وهو أدرك كنه السياسة الداخلية فخرج من ظل هذا وتبعية ذاك ورؤيا الأخصام وأفخاخ الحلفاء، ليؤسس لـ ” كاريزما ” خاصة به، ويرسم خطاً بيانياً جديداً يخدم لبنان تحت عنوان بالخط العريض : أنا سعد الحريري .
إستمع رفيق الحريري إلى سعد، رآه رمزاً ديناميكياً، يعلن مواقفه بصراحة وشجاعة، لن أتحالف مع حزب الله في الإنتخابات المقبلة، لكنهم شركاء أساسيون في هذا الوطن، لن أسامح من شرب من بئر تيار المستقبل ورمى به حجراً، أكتبوا ما شئتم من التقارير فلن تؤثر على مسار التسوية السياسية في البلاد التي وفرت مظلة أمان، سياسياً وأمنياً وإقتصادياً، لن أخوض الإنتخابات تحت شعار ” التمويل “، المال لم يعد موجوداً وسنخوضها برؤيتنا و ” قبلنا التحدي ” و ” تيار المستقبل ” ليس للكسر، سنكمل مسيرة النأي بالنفس والتي وقع عليها الجميع كقرار للدولة وسنحمي لبنان من النيران المشتعلة حولنا، وسنبني مقدرات البلاد بمشاركة الجميع.
إعتدل رفيق الحريري في جلسته والدهشة تملأ عينيه عندما قال سعد : ليعرف الجميع أنني لن أبيع الأشقاء العرب بضاعة سياسية مغشوشة ومواقف للإستهلاك في السوق الإعلامي والطائفي، نحن لسنا تجار مواقف وشعارات، نحن أمناء على دورنا تجاه أهلنا وتجاه أشقائنا.
نهض رفيق الحريري من مكانه، إلتفت إلى ذلك الشاب الواقف يخاطب ناسه وأهله، غادر مطمئناً، فما أستشهد من أجله من قيم ومبادئ من وحدة البلد والتماهي بين طوائفه ومذاهبه وعيشهم المشترك وإتفاق الطائف الذي دفن الحرب الأهلية، وعلاقة لبنان بمحيطه العربي وبعلاقاته الدولية اليوم في أيدٍ أمينة أكثر مما مضى .
غادر رفيق الحريري ” البيال ” لكنه لم يترك سعد الحريري وحيداً، بل تركه زعيماً ..
وداعاً رفيق الحريري .. إنه زمن سعد الحريري ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى