متابعات

هزيمة الأتراك في عفرين…هناك إمكانية

حسين حمية

لن تنتهي العملية العسكرية (غصن الزيتون) في عفرين خلال وقت قصير كما قال الرئيس التركي رجب طيب اردوغان قبل ساعات من إطلاقها، وكما ثبت في اليومين الماضيين، لم يهرب المدافعون الأكراد عن عفرين من مدينتهم، كما توقع هذا الرئيس، لا بل ما حصل هو العكس، وهو امتصاص القوات المسلحة الكردية الضربة التركية الأولى، في الوقت الذي بدأت تظهر فيه صعوبات كثيرة أمام المهمة التركية، ما يطيل أمدها ويعزز آمال الأكراد في إفشالها ومنعها من تحقيق كامل أهدافها.

مسألة الوقت في عملية “غصن الزيتون” هي في غاية الأهمية، وقد حاولت البروباغندا التركية تزخيم النتائج العسكرية قبل إطلاق الرصاصات الأولى للعملية، بالحديث عن انشقاقات في قوات الحماية الكردية وترحيب شعبي بالعملية التركية وتداول خسائر كبيرة في الجانب الكردي، تبين فيما بعد زيف هذه الإدعاءات التي لم تكن سوى محاولة لزرع الإحباط وتثبيط العزائم لحصد انتصار سريع.

ما يجب أن نفهمه، ولو أن تركيا لديها المقومات العسكرية لإحراز نصر سريع، لكن هذه ليست كافية، فهناك خشية لدى أنقرة فعلية من اقتحام عفرين بعد بروز إرادة قوية لدى الأكراد بالتصدي للغزو التركي، وأن تؤدي عملية الاقتحام إل حدوث خسائر كبيرة في صفوف جيشها وحلفائها ومجازر في صفوف المدنيين لا أحد يضمن عدم وقوعها، ومثل هذا السيناريو سيترك ارتدادات خطيرة على الداخل التركي نفسه ويهدد التعايش الأهلي والوطني بين الأكراد والأتراك في داخل بلدهم وبالتلي انفجاره قوميا ومذهبيا.

لقد رسم الاتفاق التركي الروسي إطارا للمعركة، يقوم على تفهم موسكو للمخاوف التركية من وجود عفرين بقبضة أحزاب كردية سورية متحالفة مع حزب العمال الكردي، وقد وافق الروس على انتزاع هذه المنطقة من الأحزاب الكردية لقاء فتح طريق الشام حلب، لكن هذه الموافقة لا تعني السماح بدخول القوات التركية وحلفائها من المعارضة السورية إلى المدينة ومحيطها، إنما يعني إعطاء الأتراك منسوب معين في ممارسة الضغط العسكري على القوات الكردية وحصارها، وبالتالي إجبارها على القبول بإخلاء مواقعها لمصلحة قوات النظام السوري.

لكن ماذا لو لم تنجح الضغوط العسكرية التركية في تطويع أكراد عفرين؟ الجواب: سيؤدي طول أمد العملية إلى تنامي الفاتورة السياسية والعسكرية لروسيا والنظام السوري المطلوب تأديتها من أردوغان، فاختصاره للوقت قرب عفرين لن تقدمه له موسكو ودمشق مجانا، وسيجبرانه على دفع أثمان أخرى، ما يزيد من تآكل علاقاته مع الجماعات السورية المعارضة الحليفة له، كما حدث لدى مقايضته حلب بمدينتي جرابلس والباب على حساب مصالح هذه المعارضة ولذات السبب هو تهدئة مخاوفه من قيام كيان كردي على الجانب السوري.

وإذا كانت إيران وهي لاعب رئيسي على المسرح السوري، مضطرة للسكوت عن العملية العسكرية التركية في سوريا استجابة لحلفائها الروس، غير أن إفصاحها عن “قلقها البالغ” من هذه العملية يضمر تذمرها من استبعادها عن الاتفاق الروسي التركي الذي ابرم بعد زيارة رئيس الأركان التركي خلوصي اكار ورئيس المخابرات التركية هاكن فيدان إلى موسكو قبل يوم من انطلاق العمليات العسكرية، غير أن الاستطالة الزمنية لهذه العمليات قد يتيح مستقبلا دورا أكبر للإيرانيين، خصوصا أن القوى الحليفة لها في بلدتي نبل والزهراء تمسك بإحدى الجهات التي تحاصر عفرين، وهذا ما يمنحها فرصة تعويض خسائرها من مغانم العملية التركية.

كذلك طول مدة العملية العسكرية، سيعطي الوقت الكافي للقوى الدولية المناوئة لسياسة اردوغان لتدويل قضية عفرين مع فتح أخطار تدويل المسألة الكردية، وهذا ما تتحاشى السياسة التركية الوقوع في مطبه منذ زمن طويل، في حين بدأت فرنسا أولى الخطوات بهذا الاتجاه بدعوتها مجلس الأمن للانعقاد اليوم ولبحث الهجوم التركي على عفرين، وهناك أكثر من جهة دولية خصوصا أميركية وأوروبية هي على خصومات معروفة مع اردوغان ستتخذ من التدويل سبيلا للضغط على أنقرة.

حتى الآن لا تتحدث الوقائع العسكرية على الأرض عن أي انتصار تركي، إنما الذي يظهر هو العكس، اي بداية تشكل مأزق تركي، وانفكاك انقرة من هذا المأزق لن يكون إلا بالرضوخ للابتزاز الروسي والسوري والإيراني وتلقي الضربات السياسية الدولية، في وقت نجح الأكراد في تعزيز وحدتهم القومية في مواجهة العدوان التركي وتناسوا خصوماتهم السابقة وتبخرت من بينهم المنطقة الرمادية التي كان يراهن أردوغان على اجتذاب من فيها لصفه.

ليس السؤال هل ينتصر أردوغان أم الأكراد، إنما السؤال هل لدى اردوغان وقت لينتصر؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى