متابعات

إيران: انتفاضة داخلية أم حرب خارجية؟

حسين حمية

اللافت في حركة الاحتجاجات بإيران هو قفزها عن اتهامها بأنها من صنع التدخل الخارجي، مع أن تغريدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم تتوقف عن الإيحاء بصحة هذه الاتهامات، لجهة دعمه علنا لها أو لجهة وعيده المبطن للنظام الإيراني في حال قمعه لها، ومع هذا، هناك إقرار بوطنية هذه الاحتجاجات وبالصدقية الداخلية لدوافعها المطلبية، باعتراف الرئيس الإيراني روحاني بأن قسما من المحتجين هم أصحاب مطالبات محقة مخالفا اتهام الحرس الثوري للمحتجين بأنهم أدوات للتدخل الخارجي.

ليس هذا تفصيلا في إيران، أن تستمر حركة احتجاجية في تحدي نظام قوي على الرغم من وصمها بالعمالة لدول معادية (أميركا، بريطانيا والسعودية) لهذا النظام، فالشعب الإيراني شديد التحسس تجاه التدخل الخارجي خصوصا الغربي، حتى أن الثورة الإيرانية التي قادها الإمام الخميني (ت 1989) في العام 1979 ضد النظام الشاهنشاهي، كان البعد الرئيسي فيها، هو اتهامه لشاه إيران محمد رضا بهلوي ( ت 1980) هو أنه خادم الامبريالية الأميركية.

اتهامات الحرس الثوري للمحتجين لها ما يسندها من الأدلة كما سبق القول، ولا تتوقف فقط على تغريدات ترامب، فهناك إسناد إعلامي خليجي واضح وتغطية إخبارية على مدار الساعة للتظاهرات في المدن الإيرانية واستضافة شخصيات معارضة مقيمة في الخارج على شاشات التلفزة السعودية لتشجيع المحتجين وتحريضهم ضد الحكومة والنظام في إيران.

اضف، أن هذه الاحتجاجات ليست بعيدة زمنيا عن توعد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بعد استهداف الرياض بصاروخ حوثي، بنقل المعركة إلى قلب إيران، ودعوة الرئيس الفرنسي إيران إلى مراجعة سلوكها الإقليمي والتوقف عن مواصلة اختبار الصواريخ البالستية، وابتهاج نتنياهو في حال تغيير النظام الإيراني، وأكثر من هذا، تزامن الاحتجاجات مع إعلان الاستراتيجية الأميركية مؤخرا التي تتعهد فيه إدارة ترامب بالقضاء على التهديدات الإيرانية وخاصة منها تلك التي يمثلها الحرس الثوري (الباسدران)، ويعني هذا، انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي والعودة لفرض عقوبات إلى طهران، وهذا ما يتوقع حدوثه خلال الاسبوعين المقبلين.

مع كل هذا، الواقع المعيشي الإيراني يؤكد صدقية دوافع المحتجين ومشروعية تحركهم بعدما طفح كيلهم من أوضاعهم الاقتصادية الخانقة، حتى أن مرشد الجمهورية الإيرانية على خامنىء انتقد علنا الحالة الاقتصادية. لقد سدد نظام العقوبات الغربية ضربات عنيفة لإيران، وكان ضحيتها الأولى الاقتصادي الإيراني الذي أصابه الركود والتضخم بأرقام ومعدلات مخيفة.

ومعاناة الإيراني اليومية لا تتوقف عند تدني الأجور وارتفاع الأسعار، وعلى الرغم من التخفيف الجزئي للعقوبات الاقتصادية، لا تزال اسعار المواد الغذائية والمياه والكهرباء عالية الثمن في ظل تآكل القوة الشرائية للعملة الإيرانية،  فعلى قول مسؤول إيراني برويز فتاح (رئيس لجنة الخميني الإغاثية) هناك 40 مليون إيراني يعيشون تحت خط الفقر اي نصف عدد الشعب الإيرني البالغ 80 مليونا،  وفي إيران هناك من 15 مليون إلى 20 مليون عاطل عن العمل، ما حدا بالخريجين الجامعيين على العزوف عن تحقيق طموحاتهم المهنية والتحول للعمل كسائقي تاكسي، وأنه لأمر مذهل أن يسجل 200 الف إيراني في نظام “اوبر” خلال اشهر فقط لانعدام فرص العمل.

المواطن الإيراني العادي المنخرط في الاحتجاجات، لا يحمّل الغرب وعقوباته فقط مسؤولية تردي أوضاعه المعيشية إلى هذا الحضيض وهو ابن بلد غني بالثروات الطبيعية والبشرية، لقد أظهرت الاحتجاجات أن الإيراني ضاق ذرعا بسياسة تصدير الثورة، ويريد الالتفات إلى أموره المعيشية عوضا عن تفرّغ دولته بدعم حركات مسلحة في بلدان مجاورة ونشر التشيع في إفريقيا مع ما يكبد هذا الدعم من إنفاق على حساب الشعب الإيراني وضرورياته اليومية.

إلى هذا، لقد أدى ضعف نظام المراقبة والمساءلة والمحاسبة في إيران، إلى ظهور أعراض التباغض الطبقي، واتساع الفجوات بين طبقات المجتمع، فهناك حديث عن استئثار فئة قليلة لا تتجاوز ال 5 بالمئة بثروات البلاد، وإلى جانب اتهامات المسؤولين لبعضهم البعض بالفساد والسطو على المال العام وقبض الرشى وعقد الصفقات غير القانونية، فضح الإعلام الغربي أسماء العديد من القياديين الإيرانيين ممن يكنزون ثروات تقدر بمليارات وملايين الدولارات.

بين تعطش أعداء إيران للتدخل في شؤونها وبين انفجار الاحتجاجات لأسباب أكثر من موضوعية، يدخل النظام الإيراني في زمنه العصيب، ولن تكون نجاته إلا بقطع الصلة بين تربص الخارج به وقابلية الداخل لهذا التربص، وإذا كان سهلا على هذا النظام قمع الاحتجاجات بالقوة، كذلك لن يعدم الخارج وسيلة لتحقيق هذا التدخل وإبقاء المعركة في قلب إيران.

حتى الآن ليس هناك إجماع داخل القيادة الإيرانية على معالجة مشتركة وواحدة لوقف الاحتجاجات، ما بين توصيف روحاني للمحتجين وتوصيف الحرس الثوري، هناك مسافة مملوءة باختلاف سياسي بين الطرفين، خصوصا أن العقوبات القادمة تميز بين الجيش الإيراني والحرس الثوري، والأخير سيكون المستهدف بها.

لم يعد ينفع وصم المحتجين بالعمالة للخارج، وهذا ما أثبته استمرار الاحتجاجات وتوسعها، فالزمن لم يعد سنة 1979، وقتذاك كان سهلا الربط بين فقدان العدالة الاجتماعية وحجز الحريات ومصادرة الراي وبين تبعية الشاه لأميركا وتل أبيب، لكن بعد 39 عاما، هناك وجهة نظر أخرى تصدح بها هتافات المحتجين، والحل إما سياسي مع الخارج أو أمني مع المحتجين، وكلا الحلين لن يمر مرور الكرام على إيران

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى