مواسم

انتخاباتنا: تنافس على الماوراء..وهروب من الماأمام

حسين حمية

قال لها: أأنتِ التي تبيعين الكلمات؟
أجابته: أمرك يا سيدي.
كان الكولونيل قد ضجر من صراعاته وحروبه، هو في استطاعته أن يجلس على كرسي الحكم بالقوة، لكن هناك صورة له في نظرة الآخرين إليه، أصبح يشمئز منها ويريد اقتلاعها من عيونهم، لقد ملّ من استخدام القوة، يريد أن يكون فرحة في العيون، لا دمعة حزن، فكان استعانته ب”بيليسا”، لتكتب له خطابا انتخابيا، يتسلق على كلماته ويخرج من حفرة ماضيه، وبها يحرّك عواطف الناس وتمنحهم حماسة لانتخابه.
شيء مما يحدث في انتخاباتنا شبيه بالذي ترويه الروائية التشيلية اليزابيت الليندي في كتابها “ايفالونا”، وإذ نسأل، من هؤلاء الذين يتنافسون في هذه الانتخابات عندنا في السادس من أيار المقبل؟ هم الكولونيل ذاته، وشركات العلاقات العامة المصممة للشعارات الانتخابية البرّاقة هي بيليسا نفسها، لكن هناك فارق أليم بين الطرفين، هي أن الفتاة كانت تبيع كلماتها بدافع الحب وليس لتقاضي الإعلان المدفوع، وكذلك هو أن رحلة الكولونيل من محارب إلى ديموقراطي هي رحلة نهائية، أما عندنا فالأمر مختلف.
بعد أن أنهت بيليسا كتابة الخطاب، أراد الكولونيل أن يمتحن جودة عباراتها، فطلب منها أن تقرأه على مسمع من جنوده ليتحقق من فعاليته في نفوسهم، وإذ بكلماتها تنفذ من آذانهم إلى قلوبهم، كولونيل جديد ينولد بكلمات بيليسا، لقد أعادت بناءه من رغبات الناس الصادقة وأمانيهم، وكان إعلان فوزه ومضة عز وأمل تشارك بها الجميع. ومثل هذه الومضة شعر بها التشيليون عندما انتخبوا الشيوعي سلفادور الليندي رئيسا لبلدهم، وعندما أطاحته الاستخبارات الأميركية في 11 أيلول 1973، بذل أكثر من 20 الف مواطن تشيلي أرواحهم دفاعا عن شرعيته، كانت انتخاباتهم انتخابات، نحن لا ننفق روحا واحدة ثمن الشرعية، لكن نجعل مذبح العصبية يفيض بالقرابين البشرية إذا دعا الداعي.
لكن ماذا عن بيليسا اللبنانية وشعاراتها الانتخابية؟ ماذا عن “نحمي ونبني”، وماذا عن “نحنا الخرزة الزرقا”، وعن “صار بدّا”، وعن “صوتك أمل”، و”التيار القوى للبنان القوي”، وغيرها من الشعارات التي تعود إلى أحزاب أخرى وجماعات ومرشحين بالكاد أن يكون ثقلهم الانتخابي من وزن الريشة، دققوا جيدا بكل هذه الشعارات، تجدوا أن الكولونيل اللبناني لم يضجر من ماضيه، لا بل يحتاج إلى مزيد من السنين ليمد ويطيل في عمر هذا الماضي النهم.
فلنأخذ هذه الشعارات بالجملة أو حتى بالمفرّق، هي نفسها التي انقسم تحت رايتها البلد في ال 2005 وما بعدها، هي التي تولدت منها الحروب والخراب، ومنها كان التعطيل والتوترات والفتن والشحن المذهبي والطائفي، وهي التي تسببت بالفراغ الرئاسي والشلل الحكومي، ولأجلها تردت الأوضاع المعيشية، وعمّت الفوضى وتفاقم الفساد والنهب والهدر، إنها تنتج الخلافات والانقسامات نفسها، هي التي ستجعل الماضي يطول ويطول وليفترس المزيد من أعمار اجيال تحلم أن تتساوى بشعوب أخرى تراقب تصنيف دولها وفقا لمعيار السعادة، أجيال تحلم أن تنصرف لهموم عابرة للأكل والشرب والملبس والأمن.
مساء السادس من أيار المقبل، سيكون هناك رابح في هذه الدائرة وخاسر في تلك الدائرة، لكن على مستوى دائرة الوطن كله، هناك فائز وحيد سيملأ المجلس النيابي المقبل، هو الماضي بانقساماته وتوتراته ومشاحناته وأعذاره في شيوع الفساد واستمرار التعطيل واللجوء إلى التحاصص والاعتياد على غياب الخدمات، سننتخب الماوراء، فالكولونيل اللبناني لم يتعب من ماضيه، وبيليسا الأصلية لا تكتب للماوراء، لكنها ستنتظر إلى حين أن تهب كلماتها إلى مرشح الماأمام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى